| التواصل غير اللفظي: من المفهوم إلى الوظيفة ـ د.عبد القادر محمدي |

توطئة: 

إن مقاربة انخراط الكائن البشري في عملية التواصل، سواء مع الآخر أو مع موضوعات العالم، وما تتطلبه هذه العملية التواصلية من انصهار وتفاعل للذات مع تجارب اليومي الممتدة في الزمان والمكان، قد حتم على الدرس السيميائي في خضم التطورات المعرفية الطارئة والمتلاحقة، توسيع جدول أعماله، ليطال لغات أخرى ينتظمها جدول أعمال خفي، يبطن عملية التواصل التي ليست دائما لفظية وصريحة، فقد تكون حركية وقد تكون إيمائية، وقد تكون وجدانية داخلية، تتمظهر أحيانا في بعض المشاعر أو السلوكات أو من خلال لعبة الأشكال والألوان والأنغام التي "تتكلم معنا، وتولد فينا إحساسات أو ذكريات")[i]( ما أن نعقد "بينها وبين السياق صلة فإنها ستبعث في الذهن أشياء أخرى، فتغدو علامات")[ii]( من بين أخرى، راسمة تمايز الإنسان وهويته وسط مسكنه البيولوجي والطبيعي، بخطوط وأصوات وأشكال وألوان ثقافية متعددة، مثل "الكلمات والسلوكات والوضعيات والإشارات ورنة الصوت وتعبيرات الوجه، و طريقة استعمال الزمان، والفضاء والمادة وطريقة العمل، واللعب، وممارسه الحب والدفاع عن الذات. كل هذه العناصر وغيرها، وليست هي وحدها تشكل نظما للتواصل التام حيث لا يمكن فهم الدلالة دون معرفة سلوك ما داخل سياقه التاريخي، و الاجتماعي الثقافي")[iii]( لقد شكلت مظاهر التواصل غير اللفظي إلى جانب اللغة، قناة تتداول رسائلها من مجتمع للآخر، الشيء الذي جعل مجموعة من الباحثين من تخصصات مختلفة، في أمريكا يحتفون بهذا النمط الأصيل من التواصل، وذلك منذ أواخر الخمسينات إلى حدود الآن، حيث تبلور عن هذا الاهتمام فرع معرفي قائم بذاته يدعى إثنوغرافيا التواصل، انطلق بدافع الرغبة في اكتشاف الطريقة التي تبني بها الشعوب تجاربها اليومية، عبر مقاربة تعبيرات كلامها في البداية ووصولا إلى تمديد مجالات البحث، بصهر مفاهيم علم النفس وعلم الاجتماع و اللسانيات و الأنطروبولوجيا في بوثقة واحدة، لتناول العلاقات التفاعلية في المجتمع المعاصر، اعتمادا على أطروحة مركزية بسيطة، تعتبر الحياة الاجتماعية مؤسسة على مجموعة من الشفرات و السنن المعقدة، تقف وراء الفعل وتوجهه، و تتوخى الإثنوغرافيا الكشف عن هذه الشفرات و السنن في تجسدها المباشر عبر التواصل اليومي بين "الكائن البشري كشخص يحتاج في نفس الوقت إلى العثور على هويته والمحافظة على اندماجه، الشيء الذي لا يتأتى تحقيقه إلا داخل التبادلات مع الآخرين، مع أولئك الذين وقع عليهم اختياره ")[iv]). إن التطور الذي هم مجالات اشتغال، إثنوغرافيا التواصل في أمريكا، فتح أفقا جديدا أمام مظاهر التواصل، تبوأت بفضله لغات أخرى مكانة متميزة، في وقت لم تكن تعطى الأهمية فيه للتواصل خارج منطوق اللغة، كالأقنعة والرقص والألوان والروائح, كلغات تكلمها الإنسان إلى جانب لغات أخرى غير لفظية. وهكذا، سوف تنطوي دراستنا في هذا المقال على نقطتين: ففي النقطة الأولى سأقف عند مفهوم التواصل غير اللفظي، أما النقطة الثانية فسأتناول من خلالها أهم وظائف هذه الصيغة الصامتة من التواصل. أولا - محاولة في تحديد المفهوم: شكل مفهوم التواصل غير اللفظي إحدى أهم أسئلة العلوم الإنسانية العميقة والغامضة بالنظر إلى كونه يخرج عن نطاق التواصل اللفظي المألوف عند البشر، الشيء الذي جعله عرضة لاصطلاحات متعددة، فتارة ينعت باللغة الصامتة وطورا بلغة الجسد، وفي بعض الأحيان بفعل الإشارة أو الحركة الخ . إن مصطلح " غير اللفظي " يكتنفه الغموض، حيث وصفه أحد الباحثين بكونه من " بين المصطلحات الأضعف تحديدا من بين تلك المتعلقة بالسيميائيات")[v](، مقارنة مع اللغة اللفظية التي تتأطر تداوليتها ضمن فعالية الشفاهة أو الكتابة على مستوى الإنتاج والصور السمعية أو القراءة على مستوى التلقي، وبناء على ذلك، هل يمكن الحديث عن الخصائص أو السمات المميزة العامة لهذا النمط من التواصل غير اللفظي ؟ لقد قدمت بشأن سؤلنا إجابات متعددة، بتعدد حقول الاشتغال من سيميائية وأنطروبولوجية وما إلى ذلك، ووسط ما راكمته هذه الحقول من تصورات في مبحث التواصل غير اللفظي، سأستحضر ما أراه على صلة بالتعبيرات الجسدية، ومختلف الأنساق الرمزية التي تشيد دينامكية طقوس اليومي العملية والأسطورية التي تخرق متواصل حياة الإنسان في الهنا والآن. وهكذا نجد الباحث الأنطروبولوجي "جاك كوراز" )[vi]( ينطلق في تحديده للخصائص العامة للتواصلات غير اللفظية بإقصاء النسق اللساني البشري اللفظي، إذ يعني بالتواصلات غير اللفظية مجموع وسائل التواصل الموجودة بين أفراد متعايشين لا يستعملون لغة بشرية أو إحدى مشتقاتها غير الصوتية )كتابة، لغة الصم البكم الخ (، وعلى هذا الأساس يطبق هذا المفهوم، على الإشارات، وعلى الوضعيات، وعلى اتجاهات الجسد، وعلى خصوصيات بدنية، طبيعية أو اصطناعية، وحسب تنظيمات الأشياء، وعلى روابط ذات مسافة بين الأفراد، حيث بفضلها يتم بث خبر ما، بلغة أخرى لا تتوقف عن مواصلة وظيفتها التواصلية التي "تلعب دورا أساسيا في التبادلات فيما بين الأفراد interpersonnels ما دامت تنقل نسبة 65 إلى70 في المائة من الخبر، وعليه، فالمسألة تتعلق بأخبار من طبيعة مختلفة )...( فاللغة اللفظية تستعمل من أجل نقل أخبار ومعارف، في الوقت الذي نجد اللغة غير اللفظية تعبر بالخصوص عن العلائقي " )[vii]( . ويذهب " إدوارد هال " أبعد من ذلك حينما اعتبر السلوك الصامت هو الأصل في حياة الإنسان ما دام يشكل نسبة 90 في المائة في عالم التواصل )[viii](، المرتبط بمجالات عديدة تشمل عموما الأنطربولوجيا والأخلاق والعادات والطقوس، ومختلف الانفعالات المرتبطة بعالم الأهواء، وبناء على ذلك يجمع الباحثون في حقل التواصل على أن مظاهر التواصل غير اللفظي تشمل "مجموع ما ينتمي إلى التجربة التي تستوطن الذات )الإيماءات واللباس وطريقة الجلوس واستقبال الضيف...( وتستوطن محيط هذه الذات أيضا )ما يعود إلى طريقة التعاطي مع الفضاء والزمان وأشكال العمران(" )[ix](، ولعل هذه المظاهر الصامتة من التواصل، تصب في جوهر أعمال "بيردويستيل" المتعلقة ب "الكينيزية" أو علم الحركة، وكذلك في جوهر أعمال "إدوارد هال " الخاصة ب "البروكسيميك" أو الإبلاغ الحيزي )[x]( ثانيا- وظائف التواصل غير اللفظي يلعب التواصل غير اللفظي، أدوارا ووظائف أساسية في حياة الإنسان، لا تقل أهمية عن تلك المتعلقة باللغة اللفظية، حيث يشكل دعامة الإنسان المادية الملتصقة بجسده، ووسيلته الأصيلة في الاحتكاك المباشر والبدئي مع ذاته ومع غيره، وباقي مختلف موضوعات العالم، إنه اللغة الأولى التي- تكلمها البشر بعفوية وتلقائية - سرعان ما انتظمت في أنحاء ومعاجم ذات طبيعة إشارية وسحرية تعبدية، تومئ وبغزارة عن مدى "انفجار الكائن في اتجاه الأصل المفقود من زمان الصوت بلا كلام ")[xi](. ومن رحم هذه اللغة الحسية الحميمة، انبثقت اللغة المتمفصلة وشيدت قانون تشكلها، وقواعد لعبها، وأملت هبتها ورسمت علاماتها في أذهان الناس، منذ زمان موغل في القدم، لكن رغم ذلك لم تفلح هذه اللغة اللفظية، من فك ارتباط الإنسان بلغة جسده الأم ما دمنا نجد "المواليد الجدد يبتدئون بمزامنة حركات جسدهم مع الكلام، كيفما كانت اللغة المستعملة")[xii](، فأي لغة إذن هي لغة الجسد ؟ ومن أين تستمد مكامن قوتها وضعفها ؟ وهل من قراءة ممكنة في سجلاتها ؟ وما سر تداول هذه اللغة الصامتة في ظل وجود لغة متمفصلة شائعة وذائعة الصيت ؟ لعل هذه الأسئلة وغيرها، تضمر قصور وإخفاق كفاءة اللفظ الأفقية المحدودة، في مجاراة أبعاد وفعاليات رموز عميقة، تطفو على مسرح الوجود الإنساني شلالا، تفيض علاماته – غير اللفظية - بحياة أخرى دون ما تحفظ، إذ لطالما عجزت هذه اللغة في تكييف وتطويع منطوقها، لترجمة هذه الحالات والوضعيات التعبيرية من هذه التجربة الإنسانية التي " تشكل جزءا مكملا للشخصية وللمجتمع نفسه وتتجذر حتى في طريقة العيش سواء تعلق الأمر برجل أو امرأة. وبدون هذه النظم الدقيقة غير المدونة والتي تنظم التنوع العجيب لمصادفات المعيش اليومي، فإن الإنسان لن يغدو إلا مجرد آلة")[xiii](. على خلفيات هذا الحضور القوي إذن، للتواصل غير اللفظي في حياة الإنسان، اقترح " بيترسون " Patterson التمييز بين خمس وظائف )[xiv]( : نقل الأخبار تنظيم وضبط التفاعل التعبير عن الحميمية التعبير عن الرقابة الاجتماعية تيسير المصلحة المهنية وكل وظيفة من بين هذه الوظائف قابلة لتوظيف ، حسب وضعيات متنوعة، مختلف قنوات التواصل التي سأقف عند بعض وظائفها بتفصيل لاحقا. ويميز "بيردويستل " بين نمطين من التواصل لكل واحد منهما وظيفته الخاصة، فحين يكون التواصل واضحا وعقلانيا، فإن وظيفته تقف عند حدود الإخبار، وعندما يكون ضمنيا و لاشعوريا، آنذاك يعم الصمت وتتكفل لغة الجسد بأداء وظائف تواصلية، عبرها تتسرب لغة الأحاسيس والسلوكات التي تتمسرح خارج نطاق تغطية لغة الشعور والمنطق والعقل، وبناء على ذلك تنقلب "العلاقة حقيقة\كذب vérité/mensonge، حيث التعبير غير اللفظي هو الأكثر صدقا وأصالة من اللفظي")[xv](، وتتجلى هذه العلاقة بشكل قوي في لغة الرقص، حيث ينسج الراقص حوارا تعبيريا مع جسده، قد يفشي أسرار عمقه الإنساني بتلقائية قل نظيرها، تعود بنا "إلى جذور الحياة، التي ليست من الضروري نعمة أو جمالا، أو غير مكلفة، ولكن قبل ذلك صراخ، وتنفس، وانتعاظ (ذروة النشوة الجنسية( وتجذير")[xvi]( الشيء الذي يلغى معه قانون الرقابة الذي يعيد تركيب الأفكار والكلمات، وفق سيناريوهات سابقة التحديد. ونظرا للدور التواصلي الذي تضطلع به لغة الجسد، فقد خصص لها "بيردويستيل" دراسة مستقلة تعرف ب "الكينيزية" la kinésique موضوعها هو "دراسة المظاهر التواصلية للحركات الجسدية "المتعلمة" appris و"المبنينة" structurés")[xvii]( والتي تتوفر على نفس قواعد اللغة، الشيء الذي جعل "بيردويستيل" يستنبط من اللسانيات ثلاثة أدوات إجرائية، ويتعلق الأمر بالقاعدة والسنن والسياق، حيث وظفها في تحليل الأنظمة التحتية للتواصل، ومن هذا المنطلق فإن " إنتاج وفهم الدلالة الاجتماعية لحركة جسدية ما يعتمد على فهم السنن بنفس الدرجة التي يعتمد بها فهم السياق المحدد لإمكانيات فهم هذا السنن")[xviii](. ومن زاوية أخرى استلهم "إدوارد هال" مبادئ اللسانيات والتحليل النفسي، في إنتاج دراسات تتعلق ببعد آخر من أبعاد التواصل غير اللفظي، أطلق عليه "مصطلح" الثقافة التحتية "للإشارة للسلوك المتميز لمستويات التنظيم الكامنة تحت سطح الثقافة")[xix]( التي يندرج ضمنها مبحث "الإبلاغ الحيزي" la proxémique الذي يعنى بدراسة إدراك الإنسان للفضاء ليس كبعد فزيقي أو مقياس هندسي، بل "تمكن هذه الفضاءات التي يشكلها الإنسان من معرفة الكيفية التي توظف بها مختلف الشعوب حواسها")[xx]( الخمس )البصرية، اللمسية، الشمية، السمعية، والذوقية(، حيث يرى "هال" أن جهاز الاستقبال عند الإنسان يتشكل من قسمين يمكن تصنيفهما في ما يلي: )[xxi]( حواس "الاستقبال عن بعد"، التي ترتبط باكتشاف الأشياء البعيدة وهي العين و الأذن والأنف . حواس "الاستقبال المباشر"، وتوظف في اكتشاف العالم القريب عبر اللمس. وعلى هذا الأساس يضطلع كل فضاء حسي، بوظائف وأدوار خاصة في أنطروبولوجية "هال"، وسأقف عند تلك التي تتميز بحضور صامت، أي تلك التي يتكلمها الإنسان، خلال ممارسة شعائره، و طقوس احتفالاته، حيث تهيمن لغة الرائحة، وتتداخل مع لغة اللون، التي تخاطب العين بسحر الأسطورة والرمز، هذا فضلا عن لغة اللمس، الموغلة في عمق ممارسات الكائن الأسطورية. ·- الفضاء الشمي تثير الروائح بعمق الذكريات، أكثر مما تثيرها الصورة والصوت، وتلعب أدوارا ووظائف متعددة نجد من بينها : )[xxii]( × التمييز بين الأفراد والتعرف على حالاتهم العاطفية × تساعد الحيوان على تحديد أماكن القوت وعلى اكتشاف القطيع في حالة الضلال × تمكن من تحديد مؤسسة المنطقة × تمكن من خداع حضور العدو × توظف كوسيلة للدفاع × توظف في إثارة الغريزة الجنسية و يوظف الإنسان حاسة الشم في أداء عدة أدوار، وثيقة الصلة بالأسطوري السحري والطقوسي الديني كما هو الشأن في طقوس جماعة "كناوة" بالمغرب وجماعة "الستانبلي" بتونس وجماعة "ديوان سيدي بلال" بالجزائر وجماعة "الزار" بمصر حيث تعتمد هذه الجماعات الطقوسية على روائح البخور في بث رسائل متعددة إلى كل مريديها، هذا فضلا عن استخدام واستثمار قوة الرائحة في وظائف أخرى، في حضارة الشرق وحوض البحر الأبيض المتوسط، حيث نجد الشم يزيح النظر ويتفوق عليه عند العرب الذين " يدركون بالفعل تعالقا ما بين طبع ومزاج شخص ما ورائحته، إذ نجد خطابات الزواج عند العرب يبدين احتياطات كبيرة لضمان زواج متكافئ، ويمكن بالمناسبة أن يلجأن إلى طلب شم الفتاة، وإذا " لم تكن رائحتها طيبة " يرفضنها ليس على أساس معايير جمالية، وإنما نتيجة شمهن لرائحة الغضب أو عدم الرضا " )[xxiii]( . و إضافة إلى ما سبق فإن لحاسة الشم، عند الإنسان ذاكرة نشيطة وقوية، تختزن من الروائح ما يجعلها الأكثر إثارة لترسبات تقطن في أعماق الكائن، ذات صلة بالمتخيل والواقع، فالرائحة مدونة كيميائية علائقية، ترتبط الذات عبرها بأحوال ومشاعر وأهواء، قد توحي بالفرح كما بالحزن وبالألم كما بالحنين...، وتحل الذات عبر هذا السجيل الكيميائي، في فضاءات غير آبهة ببعد المسافة ولا بالزمان الغائر في الماضي، مشيدة جسر عبور نحو عوالم وأمكنة، قد تكون على صلة بأصول وجذور مفقودة لكائن ما ، أو حالة اغتراب ومنفى، وأشياء أخرى لا تهمل الرائحة مخاطبيها في بث رسائلها صوب ذاكراتهم . والروائح هي كذلك في مدننا العتيقة، بمثابة علامات مفردة تقود إلى مصادر انبعاثها، مثل علامات الطريق، إذ تتميز أغلب فضاءات دروبها الضيقة برائحة معينة، فيكفي أن نسير على هدي رائحة العطور بمدينة فاس المغربية، حتى يجد المرء نفسه في حي العطارين حيث تتم صناعة وبيع مختلف العطور وكذا النبتات العطرية، ويكفي المتجول ليلا في دروب المدن المغربية العتيقة، كسلا أو مكناس أو الصويرة أو مراكش، أن يستنشق إحدى روائح البخور الموظفة في طقوس جماعة كناوة، ويتجه صوب فضاءات انبعاثها، ليجد نفسه في حضرة طقوس" ليلة كناوية "، ويطال حضور هذه العلامات الشمية أيضا المدن الحديثة إذ "في مدينة فرنسية يستطيع المرء استنشاق رائحة القهوة والتوابل والخضر والطيور المريشة والغسيل فضلا عن الرائحة المتميزة لأرصفة المقهى، إن الاحساسات الشمية من هذا النوع تساهم في خلق شعور بالحياة، فالمرور من رائحة لأخرى لا يساعد على تحديد مصادرها بالنسبة للسكان فقط بل يزيد كذلك في إثارة الحياة اليومية ")[xxiv]) . · - الفضاء البصري تشكل حاسة البصر دعامة أساسية في تواصل الإنسان مع محيطه حيث " يعد البصر داخل نظام الحواس أكثر مادية من السمع، وهو، كذلك، أكثر قيمة على مستوى العقل")[xxv](، وتعد العين الكيان البيولوجي الذي تتدفق من تشكلا ته، وأنماط تمظهرات إشاراته الثقافية، رسائل طافحة بتعبيرات وأهواء لا ينضب معينها الدلالي، إذ " يمكن كذلك، لنظرة ما أن توبخ، أو تشجع، أو تسيطر، كما أن حجم المقلتين يمكن أن يدل على الاهتمام أو على النفور " )[xxvi]( . ومن هنا يشيد سنن النظر نمط تواصل، تتمفصل وظيفة لغته الصامتة، بين أدوار انتباهية وإدراكية عملية، وأخرى أهوائية أسطورية، سأكتفي بالإشارة لبعضها . § - وظيفة النظر الانتباهية العملية : يؤدي النظر وظيفة أساسية في عملية إدراك العالم، لدى الإنسان ، وفهم طبيعة أشيائه و أشكاله و ألوانه، ومن هنا تكون عملية " فتح العينين هي طقس انفتاح على المعرفة، وطقس تعليمي " )[xxvii](، عبره تتجلى مختلف مظاهر السيطرة و الاستئساد، والظهور بمظهر القوة والغلبة، وكل هذا يمر بطريقة عمودية من السماء إلى الأرض، في حالة اتجاه النظر صوب مظاهر الطبيعة الظاهرة والخفية، ومن أعلى السلم التراتبي الاجتماعي إلى أسفله، كما هو حال نظرات الأب مع ابنه ، والمعلم مع متعلميه والرجل مع المرأة والجلاد مع السجين، و السيد مع عبيده والراعي مع راعيته الخ . غير أن العين لا تقف عند حدود التلقي الساذج، للأشياء والمواضيع التي تخرق متواصل نظراتها، بل تؤلف علاقات وتنسج روابط ما تفتأ تتطور وتمتد نحو آفاق مشرعة على كل احتمالات مشاعر الذات السرية، فنظرة هادئة وحالمة قد تكون مبعث جذب و إثارة، ونسيج تقارب قيد التشكل بين مرسلها ومتلقيها، وعين دامعة قد تكون رسالة ألم افتقاد حبيب أو قريب، كما قد تعبر عن الفرح والحنين، وعين متسعة حدقتها تشي بتملك الخوف لكائن بشري ما وتلك لغة الأهواء والرغائب . §- وظيفة النظر الأهوائية والإيروتيكية : تعبر نظرات الحب أو الإعجاب، عن إثارة الانجذاب والميل الإيروسي حيث أن " سلطة الجذب الخاصة بالنظر تمارس في عدة مجالات وخصوصا ضمن الإطار العام للجذب العاطفي، وعلى الأخص ما يتعلق بالجنسية sexualité " )[xxviii] (، وهكذا توحدت لغة النظرة مع لغة الرغبة و الاشتهاء في ثقافة شعوب متعددة، وأمس الحديث عن توحد المرأة مع زوجها عبر العينين مثلما يتم بواسطة الجنس، لغة شائعة عند قبائل "البامبارا " بمالي فالنظرة عندها " هي الرغبة، والعين هي الاشتهاء، وفي الأخير عالم الإنسان هو عينه " )[xxix]( التي عبر قناتها عبر الإنسان نحو عوالم وتمثلات مليئة بالأسطورة والسحر، تخالف رؤى اليومي العادية والمطمئنة لنظراتها . §- وظيفة النظر الأسطورية والسحرية : لقد أسندت معظم الثقافات الإنسانية للعين، وظائف سحرية وأسطورية متعددة، لم تعد معها حاسة البصر قناة استقبال سلبي للأشياء، بقدر ما أصبحت أداة فاعلة ومنتجة لرسائل، تحوم حول مضامينها الاتهامات، إذ ظل الاعتقاد بخطورتها وشرها راسخا، في تمثلات شعوب كثيرة، الشيء الذي جعلهم ينعتون العين بسلسلة من الصفات السلبية، فهناك العين الساحرة، والقاتلة، والحاسدة، والقبيحة، والشريرة الخ، إنها تترصد الأطفال والعرسان الجدد، وقد يصل صدى شرها إلى المحاصيل الزراعية . وأمام هذه المخاطر السالفة وغيرها، تولدت الحاجة عند الإنسان لاتقاء شرها، بابتكاره لعدة أشكال ورموز وممارسته لعدة طقوس، تعمل كميكانيزمات دفاع تجاه ما يصدر عن العين الشريرة، إذ تلجأ الأمهات إلى وضع التمائم في أعناق أطفالهن، كما يلجأ الفلاحون لتعليق نفس التمائم على جباه حيواناتهم، كما نجد ظاهرة وضع رمز الكف على الأبواب الخارجية، ظاهرة شبه كونية حيث هذا الرمز " عرف تحت أسماء متعددة : " يد الرب " و " يد الإله بعل " في المسلات الفينيقية والقرطاجية و " يد مريم " عند الأوروبيين " كف فاطمة " في الشمال الإفريقي وبلاد المغرب، وعرف بكف عائشة أيضا . و " كف مفتوحة " و "كف العباس " و " خمسة وخميسة " عند الشرقيين العرب وبعض المغاربة، و " المربعة " في تونس " )[xxx](، كما تحفل الرسوم الشعبية بصورة الكف والعين المخترقة بالسهم للحد من نظرتها الحاسدة، و " صاحب هذه النظرة الشريرة يلقب ب " معيان أو عائن " )[xxxi]( في الثقافة العربية الشعبية . ولعل هذا الاعتقاد الدفاعي تجاه مخاطر العين الشريرة، قد انعكس على تشكيل فضاء معمار الإنسان العربي، كما يلاحظ ذلك في أغلب الدور العتيقة لمدننا العربية القديمة من المحيط إلى الخليج ، حيث النوافذ التي تنفذ عبرها النظرة من وإلى العالم الخارجي شبه منعدمة، تغدو معها أسوار هذه المدن والدور بداخلها، عمياء لا تحيل إلا على داخل محيط أسوارها كمصدر للحماية والطمأنينة، فقط وحدها نوافذ وسط أسطح المنازل هي التي تمكن من تسرب الضوء إلى داخل المنزل، وبالتالي تمكن النظرة من النفاذ إلى السماء مصدر الخير والنور والسمو الخ . كل هذه التمثلات والاعتقادات، الأسطورية والسحرية التي أنيطت بالعين في مختلف الثقافات الإنسانية، تنم عن كون العين هي أم الحواس التي تتطلب دراسة انطربولوجية مستفيضة، لا يتسع مجال هذه المقالة للخوض في تفاصيلها . - وظيفة الحاسة اللمسية : تعتبر حاسة اللمس أول وسيط تواصلي، اعتمده الإنسان في عملية التمييز بين مختلف المثيرات الحسية، إذ عبر الملامسة يتم إدراك العالم الخارجي بشكل مباشر، غير أن حضور هذه القناة اللمسية " التي تستعمل كثيرا في بداية الحياة، لم تعد تتواجد فيما بعد، وخاصة في ثقافتنا ، إلا من أجل الاتصالات العاطفية أو الجنسية " )[xxxii] (، إن هذا التراجع الملموس لأدوار اللمس، لا يعني فتور وفقدان نشاط هذه الحاسة، في سياقات ثقافية أخرى، حيث نجدها في ثقافة آسيا وإفريقيا، حاضرة في مختلف الممارسات اليومية البسيطة، فاللمس والمصافحة والعناق والقبلات من آداب طقوس التحية فيما بين الأفراد، كما يتم توظيف اللمس في الطلب والتوسل والتبرك بالأولياء، هذا فضلا عن سنه كشعيرة في رقصات بعض الطوائف الطقوسية المغربية، كما هو الشأن عند " عيساوة " " حمادشة " كناوة"، حيث يؤدي الراقص رقصاته حافي القادمين إذ " على المستوى الفيسيولوجي، يضاعف توظيف الرجل حافية الحساسية اللمسية، والمحلية، والمعممة " )[xxxiii]( . ويوظف هذا الوسيط التواصلي، في شراء وانتقاء الأشياء، فظاهرة لمس الخضر قبل شرائها، عادة شائعة في أسواقنا العربية المحلية الشعبية، كما تؤدي هذه الحاسة وظائف أسطورية سحرية وعلاجية، و تجدر الإشارة إلى أن ثقافتنا تمدد حاسة اللمس، لتطال تحرك الناس في مختلف الفضاءات المكتظة، حيث يسود الاحتكاك، في الأسواق والمواسم والاحتفالات والأعياد، وهذا يغيب في الثقافة الغربية - أي ثقافة الإحتكاك – التي يوجه لها الأميركيون صك اتهام فحواه " إثارة مشاعر جنسية أو عدوانية " تهدد حدود الكائن النفسية والمادية، وهذا يعاقب عليه قانون هذا البلد. وهكذا نجد " اللمس من بين كل حواسنا، هو الأكثر تجربة شخصية، إذ تعد بالنسبة للكثير من الناس أهم اللحظات الحميمية في الحياة هي تلك التي على صلة بتغيرات نسيج البشرة، إن المقاومة ضد اللمس المزعج الذي يشد الجلد مثل سلاح، والأنسجة المثيرة والدائمة التغير للبشرة خلال الممارسة الجنسية ونعومة ملمس الإشباع الذي يتبعها: كلها رسائل من جسد لآخر والتي تتضمن معنى كونيا " )[xxxiv] (، يضفي على هذه الحاسة صفة الملازم الحسي الأصيل الذي يولد ويتطور مع الإنسان، ويرافقه في رحلة اكتشاف ذاته والآخر، إنه الوسيط الذي حول الإنسان من كائن بيولوجي إلى كائن سيميولوجي، يميز بين اللمسة الباردة والحارقة، الناعمة والخشنة، الحميمة و الأسطورية الخ . خلاصة لقد شكل التواصل غير اللفظي جوهر الأبحاث الأكاديمية والعلمية، منذ فجر الخمسينات، أي ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى يومنا هذا حيث ينم هذا الاهتمام عن مدى تعقد، هذه الصيغة التواصلية الإنسانية، المتوسلة بسنن خفي وصامت تسنده الثقافة، في تحريك بنياتها وبث رسائلها التي تتطلب مجهودا، في عملية تفكيك هذا السنن وإدراك وظائفه التواصلية، وأبعاده الخفية وإيحاءات معانيه المتعددة التي تستوطن إخراج المشهد الثقافي اليومي العملية والأسطورية. الهوامش:

[i] -Pinok et Mato, expression corporelle mouvement et pensée 5° édition Paris librairie philosophique 1979 P22. [ii]- Perce C. S Ecrits sur Le signe traduit par G. Delledale, seuil, Paris ,1978. P51 [iii] - Edward. T. Hall, Au-delà de la culture, éd du seuil,1979, P 48 [iv] - Pierre Vayer, Charles Roncin, le corps et les communications humaines , éd Vigot , 1986, p, 105 [v] - Jacques Corraze, Les communication non verbales, PUF, Paris, 1980, P, 15 [vi] - نفسه، ص، 15/16 [vii] - Le corps et les communication humaines, op cit, P, 15 [viii] - إدوارد هول، رقصة الحياة، ترجمة نظمي لوقا، دار الكتاب ، القاهرة، 1987 ص، 8 [ix] - سعيد بنكراد ، استراتيجيات التواصل من اللفظ إلى الإيماءة، مجلة علامات ع 21 – 2004، ص14 [x] - اعتمدت نفس الترجمة التي تبنتها مجلة علامات المغربية لمصطلح (proxémique) أي الإبلاغ الحيزي، وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يترجم هذا المصطلح ب" الإقترابية " وكذلك ب " البونية " [xi] - Paul Zumthor, Introduction à la poésie orale, éd, Seuil,1983, P, 13 [xii] - Edward. T. Hall, Au-delà de la culture, op CIT, P, 74 [xiii] - Jacques Corraze ( 1980) op cit , P, 97 [xiv]- نفسه، ص، 83 [xv] -- Yves Winkin, Anthropologie de la communication, de la théorie au terrain, De Boeck université, 1996.P 66. [xvi] - Pinok et Matho, Expression corporelle mouvement et pensée 5° édition Paris, 1979, P10 [xvii] - Eves Winkin,(1996), P67 [xviii] - Birdwhistell (1974, 219) in Eves Winkin ( 1996) op, cit, P 70 [xix] - Edward. T. Hall, La dimension cachée, éd, Seuil, 1971, P, 129 [xx]- نفسه، ص، 15 [xxi] - نفسه، ص، 62 [xxii] - انظر، ص، 67 من المرجع السابق [xxiii] - نفسه، ص، 70 [xxiv] - نفسه، ص، 71 [xxv] - Florisonne .M, Esthétique et mystique, éd, Sueil, 1956, P139 [xxvi] - Edward. T. Hall, La dimension cachée, opcit , P, 88 [xxvii] -Dictionnaire des symbole , éd, revue et augmentée, 2000, Paris P, 687 [xxviii] - Jacques Corraze, Les communications, non- verbales, op.cit., P, 108 [xxix] - Dictionnaire des symboles, op.cit., P, 689 [xxx] - أكرم قانصو، التصوير الشعبي العربي، عالم المعرفة، عدد 203 نوا نبر 1995 الكويت ص 104 [xxxi] - نفسه ص 105، ولملاحظة رسم الكف والعين عند الرسام العربي الشعبي، انظر اللوحة 43 من ملحق الصور واللوحات بنفس المرجع ص 240 [xxxii] - Jacques Corraze, Les communications, non- verbales, op.cit., P, 63 [xxxiii] - Jacqueline Robinson, Eléments du langage chorégraphique, éd, vigot Paris 1981, P 210 [xxxiv] - Edward. T. Hall, La dimension cachée op.cit., P, 85

| المسرح بين التاريخ و الواقع |




تقديم:
يعد المسرح فنا تشخيصا تعبيريا بامتياز عن صراعات و قضايا و أحوال اجتماعية و اقتصادية أو ما شابه دلك . فالمسرح دينا مي الشكل يتشكل عبر وقع الأوضاع و يصيغ القضية أو الحال على شكل مسرحي ( سواء درامي أو تراجيدي أو كوميدي ... ) بدقة تجعل منه أقرب لفهم الجمهور و خفيفا على القلب و راقيا و حلوا بالأذان بصورة أكثر إبداعا و دقة تحاكي الأنا الإنسانية للجمهور وواقعه المعاش .
فالمسرح فصيلة نادرة تجسد الوجود و الطبيعة وجودا فنيا عبر رسومات تعبيرية ذات حركة و كلمة و خطاب ... الخ ( الديكور , الملابس ... )
فهدا اللون العريق وجد كي يرى و يسمع مباشرة لتكون لمعايشة وقائعه أثرا ايجابيا يجعل المتفرج مشاركا و متحولا على إيقاع العرض ... فهدا ما يجعل المسرح مختارا على عكس غيره و أقرب إلى كينونة الإنسان سواء الفرد أو الجماعة , وهو يتميز بحبكته و قدرته على المراسلة التي تجعل منه فنا يستمر بإرضاء المتفرج .
من هنا نتساءل عن البداية المسرحية بالبلاد العربية ؟ و متى كانت النشأة الفعلية للمسرح العربي ؟ كيف ساهمت مسألة التنظير في الرقي بالمسرح العربي ؟ و كيف كانت البداية المسرحية بالمغرب ؟ و من تم التعرف على واقع المسرح العربي ؟
  • I. تعريف المسرح لغويا و اصطلاحا :
  • 1 ) تعريف المسرح لغة :
    كلمة المسرح ( Théâtre ) أصلها سرح " ( سرحت – سرحا – سروحا ) السيل : جرى جريا سهلا – سرحا المواشي : أرسلها ترعى " (1 ) و تعني " المرعى و الفناء أي – فناء الدار – " (2) و كلا التعريفين يتفقان على أنه مكان للترويح عن النفس.
    2 ) تعريف المسرح اصطلاحا :
    " هو فن تشخيصي يقوم على محاكاة الأفعال البشرية بالصوت و الحركة باستخدام الجسد كمادة أولية و محورية للتعبير , و ما يرتبط به من إشارات دالة على الزمان و المكان أمام جمهور حاضر " (3) المسرح – ج مسارح – المرعى // مكان يعد لتمثيل الروايات و الرقص و اللعب ."(4)
    II. أصل المسرح و تطوره :
    1 ) أصل المسرح :
    لقد نشأ المسرح نتيجة للطقوس الدينية مند العصور البدائية , كان الإنسان يلجأ للرقص و الإيمائي كوسيلة لإرضاء الإله ( بمصطلح أصح القوى الغيبية ) و دلك لكي تهبه الماء و هو أساس الوجود و الحياة الإنسانية . و كان يستعمل الأقنعة و جلود الحيوانات وما شابه دلك ظنا منه أن هده الطريقة كفيلة بإرضاء الآلهة حتى ينال ما يحتاجه لقوت يومه...
    أيضا كان الإنسان البدائي يجسد معاركه و محطاته المهمة في التاريخ .
    لم يكن الإنسان البدائي يتوقف في حدود التمسرح للطقوس الدينية بل كانت وسيلة تتعدى دلك لمحاكاة الآخرين بقصد المعرفة أو السخرية أو النقد .
    2 ) الولادة الحقيقية للمسرح :
    عرفت بعض الحضارات القديمة المسرح قبل الحضارة اليونانية و منها الحضارة المصرية و البابلية و لو بشكل أقل قوة. لأن المسرح لن يعرف حركة تنموية إلا على يد الإغريق القدماء في احتفالاتهم الغنائية و الإنشادية خاصة بالإله " ديونيزوس " اله الخصب ( لا زالت بقايا هدا المسرح بأتينا و الذي يعد أول مسرح أعد بتقنية مبتكرة تتناسب و احتياجات العرض ) " فقد كان هناك جوقة تغني هده الأناشيد لتنقسم الجوقة بعد دلك إلى جوقتين على رأس كل واحد منهما قائد غير أنه في الوقت الذي تحدث أحد أعضاء الجوقة بلسان "ديونيزوس" و أدى جوابه عوض أن يكتفي بمدحه و تعداد مناقبه ولد المسرح لأن هدا يفترض وجود حوار بين الجوقة و رئيسها من جهة و بين من يتقمص دور ديونيزوس من جهة ثانية ." (5)
  • III. البداية المسرحية عند العرب:
  • 1) ظهور المسرح بالبلاد العربية :
    ظهر المسرح في البلاد العربية نتيجة الاحتكاك الثقافي مع الغرب عبر حملة " نابليون بونابرت " إلى مصر و الشام .و عن طريق الاطلاع و التعلم و الرحلات العلمية و السياحية و السفارية.
    فقد أسهم الغربيون إلى حد كبير في تشكيل التاريخ الثقافي المسرحي العربي و دلك ما كان إلا عن طريق الاستشراق الذي نشط مند منتصف القرن 19م ضمن أعمال مستشرقي المدرسة الألمانية (6) ثم المستشرقين الانجليز(7) و المستشرقين الايطاليين(8) و المستشرقين الفرنسيين(9) فقد كانت لهم اليد الطولى في إشهار و تلقين هدا اللون الفني العريق , و لهم الفضل أيضا في أن يزدهر فن المسرح في كل من الشام مع " - أبو خليل القباني ( الذي أسس مسرحه الموسيقي و الغنائي فبدأ في تقديم فرجات تراثية و تاريخية ) - أديب اسحق – فرح أنطون – سليم النقاش و سليم الخياط ..." و المبدعين المصريين " يعقوب صنوع – محمد عثمان جلال – عبد الله النديم – يوسف وهبي و مصطفى كامل ... " الخ من الأعلام المسرحية التي أخدت مشعل و فرصة البداية مع هدا الفن الراقي و بفضلهم
    ستظهر فرق مسرحية و غنائية عديدة خاصة في القاهرة و الإسكندرية ( فرقة اسكندر فرح – فرقة فاطمة رشدي – فرقة جورج أبيض ... ).
    فكان أن نشأت أفكار مسرحية أولى لتاريخ المسرح العربي لكنه ظل و لمدة في أحضان الأدب الاستشراقي دلك تبعا أن الرحالة الأوروبيون سجلوا و درسوا المظاهر الفر جوية في البلاد العربية كــ " كارستين نيبورت و ادوارد لين و بلزوني" من خلال زياراتهم خلال القرن 18م و 19م. و كانت شهاداتهم تتمحور على وجود مسرح شعبي و هدا قبل تجربة مارون النقاش. بالاظافة لدراسة المستشرقين دوي المنحى الأنتربولوجي الدين دعوا إلى توسيع مفهوم المسرح بدراسة للطقوس و المظاهر الفر جوية العربية و دلك باعتبارها إرهاصات .
    2 ) النشأة الفعلية للمسرح بمصر :
    فقد تزايد وعي المشارق بفن المسرح و أهمية الاطلاع على ثقافة و جوانب علاقاته مما دفعهم للخروج من قوقعة الأكل فقط مما تنتجه أصابع المستشرقين و دراساتهم للظواهر المسرحية الشعبية بل سعوا إلى أن يطلعوا على الثقافة المسرحية من خلال كتابتهم الخاصة في هدا الميدان حتى ينبني لهم وعي مسرحي يخول لهم الإنتاج الفعلي. فتمت إنشاء مجموعة من القاعات المسرحية سواء أكانت للعرض الخاص أم قاعات مسرحية أنشأتها الدولة لرعاية الفن و الآداب إبان المرحلة الملكية و الثورة الناصرية بالرغم من الرسائل الانتقادية الخطيرة لهدا المسرح التي كانت تندد بالمستعمر و أصحاب السلطة و الجاه ...
    ساهم المسرح الطليعي الأوربي إلى حد ما في يقظة الإبداع المسرحي في نفوس المشارق مما دفع المسرحيين العرب إلى ممارسة الإبداع المسرحي كتابة و إخراجا و عرضا عوض العيش على التقليد و الاقتباسات و الترجمة , كما حصل مع كل من "مارون النقاش ( صاحب أول مسرحية عربية بعنوان – البخيل – استيحاء من موليير) و أحمد أبو خليل القباني و يعقوب صنوع فهؤلاء لم يكونوا في وضع يسمح لهم بأن يتعمقوا النظر إلى التراث العربي ووسائل استخدامه في مسارحهم الناشئة و دلك راجع لسبب فكرة واضحة و قوية سيطرت عليهم ألا و هي عن د.علي الراعي " أن الفن الذي ينقلونه إلى بلادهم العربية هو الشكل المسرحي الوحيد الذي عرفته البشرية " (10) أي أن فكرتهم ظلت بدون بعد زمني و يفتقر إلى مفهوم التطور .
    فقد استحوذ عليهم تصور أن دخول المسرح إلى الثقافة العربية كما لو كان مجرد تقني لم يستتبع تغييرات عميقة في بنيات الثقافة العربية كما لو كان اقتحاما لأرض خلاء لم تكن لها أية تقاليد فرجوية و لا تجربتها في الترفيه فلم يدروا أن هناك شكلا أخر للمسرح دون المسرح الغربي يمكن أن يستخدموه. ولما سبق فقد وجد المسرحيين العرب أن هناك ضرورة ملحة تدفعهم للبحث عن صيغة مسرحية عربية تلاءم هدا الإنسان العربي في هدا الزمان و المكان ... و اعتبار المسرحية واقعا تاريخيا له صيغه الفر جوية بديلة عن الممارسة الاستهلاكية و القسرية لمسرح أعلن تخليه عن أطروحته المركزية وراح ينهل من فضاءات خارج محيطه السوسيو-ثقافي.فسعوا إلى محاولة الخروج من دائرة التمركز الحضاري و القوالب الغربية التي ظلت فارضة نفسها على الساحة العربية.

    3 ) مسألة التنظير في السعي بالمسرح العربي :
    وجد المسرحيون العرب أنفسهم في غمار التنظير المسرحي انطلاقا من صلب الممارسة الإبداعية النصية و الركحية في مواجهة أنطلوجيا الكينونة و الهوية العربية. وتأسيسا على دلك و لمجموعة من الأساسيات فقد سعى المسرح العربي إلى اختزال عمليتين أساسيتين تتمثل في :
    أولا : تأصيل الظاهرة المسرحية ( ظهرت فكرة التأصيل في حزيران 1967م بعد مجموعة من الكتابات التي تدعوا إلى النقد الذاتي و إعادة النظر في الهوية العربية ) باستلهام التراث العربي و القيام بحفريات في الذاكرة العربية و اتخاذها منطقا لإنشاء متخيل مسرحي ينسجم مع روح العصر و متغيراته انطلاقا من معالجة واقع الإنسان العربي و قضاياه المتعددة. يقول الدكتور - عمر محمد الطالب - في كتابه " ملامح المسرحية العربية الإسلامية " " أن المسرح فن أدبي و بصري يستمد أصوله من مقومات الأمة و ثقافتها و أصولها. و لا يشترط أن يكون منسوخا عن المسرح اليوناني القديم أو المسرح الأوربي الحديث... "(11) و ينحوا هدا المنحى أيضا عبد الكريم برشيد بقوله أن " المسرح العربي قد ولد يوم ولد المجتمع العربي ... هدا الوليد لا يشبه إلا ذاته لأنه في تركيبه مخالف للمسرح اليوناني الغربي و هدا شيء طبيعي مادام أنه مرتبط بشروط جغرافية و تاريخية و اجتماعية و ذهنية و نفسية مختلفة ... "(12)
    أي أن لا فرق في أن يعرض العرض في خيمة أو مسرح أو فضاء أو حتى في الخلاء في شارع أو مقهى أو ما شابه دلك لكن المهم هو أن يمتثل العرض لمتطلبات الثقافة و الحضارة و الأصول و المعتقدات ما دام الأصل في المسرح هو وجود المشاهدين بالدرجة الأولى . فهده المحاولة في التأصيل ليست إلا محاولات بسيطة تضاف إلى محاولات –يوسف إدريس- في مقالاته التي نشرت في الستينات عن مسرح السامر و كتاب ( العرب و المسرح) و كتاب ( الإسلام و المسرح ) و كتاب ( فن التمثيل عند العرب ).
    ثانيا : التناص أو حوارية التثاقف مع المنجزات التقنية للمسرح الطليعي و خصوصا المسرح البريختي باعتباره جماع الاجتهادات البحثية للتيارات المسرحية.أي ملاحقة العصر و النظرة المتجددة و البحث المتواصل في الموجات الحركية و عدم الارتباط بالمحلي القومي فقط.لأن لا شك في أن كل شيء في هده الدنيا يتغير يسير ويتطور هده طبيعة الأشياء ...
    IV. المسرح بالمغرب :
    1 ) : ظهور المسرح بالمغرب :
    انتقل المسرح إلى المغرب من خلال التأثير المشرقي و لا سيما المصري عندما زارت مجموعة من الفرق المسرحية ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب, دون أن ننسى التأثير الذي مارسه المستعمر الفرنسي و الاسباني حينما شيد بالمغرب مجموعة من القاعات المسرحية التي كان يعرض فيها المسرح الغربي و خاصة مسرحيات موليير
    الكوميديا أو مسرحياته التي تصف الطباع الأخلاق.فالمغرب لم يعرف المسرح إلا في فترة متأخرة مع القرن العشرين إبان زيارة الفرق المصرية للمغرب "فرقة محمد عز الدين" التي عرضت مسرحية صلاح الدين الأيوبي منذ 1923م, و فرقة " فاطمة رشدي " سنة 1932م التي ساهمت في انتعاش المسرح بتطوان.
    فتأثر مجموعة من الشباب بجملية فن الخطاب المسرحي فكان المسرح بالنسبة لهؤلاء سلاحا ضد الاستعمار إلى حد أن أحدهم أمسى ضحية فنية و هو "محمد القروي" و كان وقفة وطنية تنادي للتغيير و المطالبة بالاستقلال و همهم الأعظم هو النضال و إحياء مفهوم الوطنية فكانت أعمالهم المسرحية خطابا سياسيا يرمي إلى تقريب الواقع المعاش.
    إلا أن البداية ظلت مضايقة و مضطهدة من جانبين :
    أ‌) جانب الدين الذي اعتبر ممارسي المسرح كفارا "أحمد الصديق " في كتاب " إقامة الدليل على حرمة التمثيل "( سيصبح الممثلون قردة و خنازير )
    ب‌) جانب الإدارة الاستعمارية" باسم نظام الحماية كانت تفرض معاييرها و مقاييسها التي لا يملك المبدع فيها أي فرصة للنجاح إلا بالمغامرة و كانت تمارس وصاية حقيقية على العمل الإبداعي و تقنن شروط العرض المسرحي "(13)
    فهده المضايقات السياسية هي التي كانت دافعا حقا لبعض القادة السياسيين إلى الكتابة للمسرح "عبد الخالق الطريس" كتاب – انتصار الحق على الباطـل- "علال الفاسي" بقصيدته التي يمدح فيها مجموعة من الشباب الدين قاموا بتمثيل مسرحية تاريخية.
    2 ) المسرح المغربي في عهد الاستقلال :
    حاولت مجموعة من المسرحيين المغاربة في هده الأثناء الخروج من ضيقة العمل المسرحي القائم على التأثير الشرقي و الاتجاه به نحو أفاق أوسع عن طريق الانفتاح على الغرب و دراسة طرق الإخراج و اقتباس و ترجمة المسرحيات و الدراسات ... فكان أن سادت المسرح المغربي تمويهية تساير الوضع دون أن تطرح تصورات مستقبلية على مستوى معالجة القضايا.وقد ظل في الغالب إلى نهاية الستينات مرتبط بتقاليد المسرح الكلاسيكي , البوليفاري , العبثي , و الواقعي .من علامات هده الفترة على الصعيد "الفني و الجمالي هو اهتمام الصديقي بالتراث المغربي و محاولة الغوص في أعماقه لمسرحته"(14)
    فاتخذ " الحلقة " كفضاء سحري يخول له تقديم عرض شامل يوظف العديد من الوسائل التقنية التي تجمع بين المؤلف و الغريب, بين الشاعري و المبتذل, بين السمعي و البصري, بين الإنساني و الشيئي ... فكثرة الحركة و البراعة تعد روحا اللعب و الكلمات هي جسم العمل المسرحي و الخطوط و الألوان هي كينونة الديكور و الإيقاع هو جوهر الرقص .
    فقد أسس الطيب الصديقي(15) لنفسه و للمسرح العربي عموما صيغة مسرحية تقوم على توليف فني للموروث الشفهي و البصري بشكل مبهج و فرجوي لا يخضع في الغالب إلى بنية كلاسيكية و لا لتقنيات الأداء الواقعي. فقد تحكم في أدوات صناعة الفرجة المسرحية بتوظيف الإنارة و قطع الديكور المتحركة و الحاملة لعلاقات بصرية تراثية كالأقواس و الزليج و الملابس ...فهدا الحس الجمالي هو الذي يخلق توحدا وجدانيا للمتفرج مع العرض.
    3 ) الحركة التنموية بالمسرح المغربي :
    بعد الاستقلال حاولت وزارة الشبيبة و الرياضة إنشاء معهدين قصد تنظيم النشاطات المسرحية كان أولهما < مسرح الهواة > بالرباط و < دار المسرح > بالدار البيضاء و مجموعة من المسارح أخرى بعد دلك. فكانت هده الفضاءات فرصة لإبراز المواهب و الطاقات في ميدان المسرح حتى أن الصحافة الفرنسية قد ركزت مقالاتها باتفاق شامل على القيمة الفنية التي طبعت الفرجة المغربية كما هو الشأن لجريدة " لرور" " يرى مراسلها أن قدوم المسرح المغربي إلى فرنسا كان بمثابة اكتشاف لقد أعجب الجمهور و اندهش و اهتز طربا عندما شاهد < عمايل جحا>و ولاحظ تركيبها و ألوانها الجميلة "(16)
    ولا ننسى اقتراحات إنعاش قطاع المسرح طبقا للتوجيهات الملكية السامية يوم 14 مايو 1992م ( اليوم الوطني للمسرح )(17) ومن بعض اقتراحاته : أ) تحرك سلاليم المسرحين الموظفين و إيجاد عمل فني لكل المتفرغين ... ب) دعم التكوين المسرحي بتكوين تقنين خارج الوطن... ت) مساهمة الجماعات المحلية في دعم المسرح و سن برنامج بناء قاعات بكل المسارح المغربية ج) مساهمة التلفزيون المغربية في دعم المسرح بالإعلان عن العروض بدون مقابل و شراء حق البث بأثمنة تشجيعية ...

  • V. واقع المسرح بالبلدان العربية مصر و المغرب :

  • 1) واقع المسرح المصري :
    انتهى الموقف المسرحي الجاد في مصر حين اتخذت كل من التلفزيون ووزارة الثقافة المسئولة عن المسرح موقفا خاطئا.ليرتفع عدد فرق التليفزيون في حين يقع العكس على فرق المؤسسة ودلك أن التليفزيون أخد يخطف فنانيها و يبالغ في دفع الأجور و التمتع بامتيازات أخرى كثيرة لم تكن متاحة لفرق المؤسسة كحرية الإنفاق بعيدا عن الروتين و ما شابه دلك .
    وفي ظل هده الحروب بين الوزارة و التليفزيون خسر الفن المسرحي كثيرا فضاع الانضباط الذي كانت تحرص عليه فرق المؤسسة و أخد فنانوها يهملون حضور جلسات التدريب لانشغالهم في أعمال التليفزيون المسرحية فأصبح الأجر هو الشيء الذي يجعلهم يقبلون أو يرفضون أي عرض و لا أهمية لقيمة العمل ذاته بمعنى أن النشاط المسرحي أصبح تجارة أنشأها التليفزيون فكان أساس المسرحيات التليفزيونية هو الهزل قبل كل شيء.حتى أنها أسدلت ستارا سحريا يجعل من المتلقي مشاهدا فقط لا يبدل أي جهد في تقييم العمل المسرحي فانعزل المسرح الجاد و استحوذ عليه الهزل...
    2) واقع المسرح بالمغرب :
    لقي المسرح المغربي في الآونة الأخيرة رعاية خاصة عن غيره من الفنون سواء مادية حيث تلقى دعما مادية من الدولة بفضل دينامية " يعيش المسرح المغربي " و هي سياسة مسرحية أفادت الناحية المادية من جهة. و من جهة أخرى رخصة لتأسيس فرق محلية في جهة المغرب... و بروز فاعلين مسرحيين مثل المسرح الجامعي و خريجي معهد المسرح وأيضا النضج الذي لحظه النقد المسرحي بظهور حساسية نقدية جديدة تخرجت من الجامعة و التي خبرت أدواتها النقدية في مسرح الهواة و المسرح الجامعي .
    فمند بداية التسعينات أي بعد تخرج الأفواج الأولى من المعهد الوطني للمسرح و التنشيط الثقافي الذي تم تأسيسه بالرباط سيجدون بعد مدة قصيرة من الزمن وضعا لا يحسدون عليه فلا وجود لبنيات تحتية مسرحية ولا وجود لسوق مسرحية, وبالتالي لا وجود لمسرح احترافي بالمرة.
    فقد وجدوا مسرح الهواة في نهاية أنفاسه المتقطعة, وبضع فرق تراهن على (احتراف خاص بها) مثل مسرح الطيب الصديقي ومسرح اليوم ومسرح عبد الحق الزروالي, وهي الفرق التي تحافظ على مستوى جيد للفرجة المسرحية بالمغرب.
    هذا من جهة و من جهة أخرى كصعوبة الاحتراف فالمسرحيين الدين يعدون محترفين الآن فهم لا يعيشون من المسرح وحده أي يمكن اعتبار مسرحهم مسرح هاو محترف. هذا ما دفع وزارة الثقافة, التي نظمت مهرجانين للمسرح الاحترافي بالمغرب نهاية موسم 1998/1999 وموسم 1999/2000, إلى أن تحذف في المهرجان الثالث (يوليو 2001) كلمة (احترافي) ليصبح المهرجان الوطني للمسرح المغربي. و من جهة أخرى عانى المسرح حالة الاقتباس لأن أغلب مشاريع المسرحيات المرشحة للدعم المسرحي سنة 2003م تعتمد نصوصا أجنبية أو مقتبسة و غيره كإهمال النص المسرحي (الجمع بين التأليف والإخراج لصنع الفرجة المسرحية ) فقد ظلت تجربة مرتبطة بالقرن التاسع عشر في حين أنها الآن ورغم ظهور بعض المحاولات لإحياء النص المسرحي حيث عملوا على الجمع بين الإخراج و التأليف (محمد الكغاط, روجيه عساف, الطيب الصديقي, فاضل الجعايي...) تعد تجربة محدودة.
    و لا ننسى أن الإنسان العادي أيضا له يد في توقف عجلة المسرح و دلك راجع لعدة أسباب مثل: - ندرة المتفرج الذي يشارك المسرحية بوجدانه و أفكاره – المعانات المادية للطبقة الكادحة – التأثير الكاسح للتكنولوجيا - فقدان الدوق الفني ...
    خلاصة
    لا يمكن للفن المسرحي أن يقدم لنا مبدعين مسرحيين بمعنى الكلمة مادام ليس هناك ارتباط بالنشاط المسرحي نفسه و الذي لا يزال محبوس المدارس و الجامعات لأنه لم يجد موسما مسرحيا بمعنى الكلمة و لا ميزانية قد ترقى بمستوى العرض إلى الأفضل و لا مسارح قد تدفئ إبداعاتهم و لا جمهور قد يحي الأمل في هدا الفن الراقي الجميل ...
    فالمفروض لكي يحي المسرح بنشاطه من جديد يجب أن نعتر على هوية مسرحية عربية و أن نعتبر المسرح امتداد في الحاضر لروافد فنية و حكائية و تمثيلية بدأت مند قرون ...
    ففي هدا الزمن يجب أن يترسخ لدى كل شخص كيف ما كان أنه سيد و ملك و ممول للعرض.

    المراجع و المصادر :
    v فكر و نقد " مجلة ثقافية شهرية " السنة العاشرة - العدد 95 - فبراير 2008
    v عبد الواحد عوزري - المسرح في المغرب -" بنيات و اتجاهات " الطبعة الأولى 1998 - دار توبقال للنشر .
    v حسن المنيعي - المسرح مرة .. أخرى - سلسلة شراع العدد 49 سنة 1999 .
    v د.علي الراعي - المسرح في الوطن العربي - سلسلة عالم المعرفة العدد 25 يناير 1978 .
    v د. رشاد رشدي - فن كتابة المسرحية - طبعة 1998 " الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    v محمد الشعروشني - في تأصيل المسرح العربي - مجلة الثقافة المغربية العدد 5 السنة الأولى يناير - فبراير 1995 .
    v عبد العزيز حرير - حوارات مغربية - الطبعة الأولى .
    v جريد الملاحق الثقافي - العدد الثاني - يوليوز 1993 تصدرها وزارة الشؤون الثقافية المغربية .
    v المنجد الأبجدي - الطبعة العاشرة - دار المشرق ش.م.م. بيروت - لبنان .
    v رائد الطلاب لـ جبران مسعود - الطبعة السادسة - 10 تشرين الأول / أكتوبر 1999 .
    v المقرر للجدع المشترك الآداب و العلوم الإنسانية " الأساسي في الثقافة الفنية " الطبعة الأولى 1426 / 2005 .
    v جميل الحمداني عمرو ( المسرح العربي بين الاستثبات و التأصيل ) مقال مأخوذ من أحد المواقع الالكترونية .

    | الرواية العربية |




    تقديم : إن الرواية هي تشکيل للحياة ويعتمد هذا التشکيل علی حدث الإنسان فی خلال شخصيات متفاعلة مع الأحداث والوسط الذی تدور فيه هذه الأحداث لكي تصل فی النهاية إلی نتيجة اجتماعيّة أو سياسيّة أو فلسفيّة و … فحاجة الإنسان إلی رواية الأحداث التي تقع له ودفع الآخرين إلی مشاركتها هو انتقال تجاربه وأحاسيسه إلى الآخرين و هي من الحاجات الفطرية للإنسان التي ينقل فيها حاجته إلی العالم الخارجي بطرق مختلفة، وكان أكملها رواية الأحداث عن طريق اللغة. رواية الأحداث في بداية الأمر ظهرت بالأشكال القصصية المحددة فی الأحداث والشمول والتصوير وفي الموضوعات الخياليّة والوهميّة ثم برزت بشکل القصة الطويلة بصفة غير محددة فی الشمول والأحداث وکانت موضوعاتها غير الواقعية علی أساس أمور الغيبيّة والوهميّة لإرضاء قرائها ثم تميل إلی الحديث عن وقائع الحياة بدافع علاج الواقع الإنساني والنفسي والاجتماعي.
    إنّ نشأة الرواية في الأدب العربي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة في العالم العربي خاصة مصر، وبعد العصر العباسي وبداية الحكومة العثمانيّة وبعده في القرون الثلاثة التي سيطر عليها الحكم التركي علی مصر « أغلقت المدارس بل هدمت وانتهت …وتعطلت الحركة الأدبية، بل تحجرت وانحرفت اللغة، بل فسدت … ومن هنا أصبح الأدب في حالة من السقم تقارب الموت فكانت تمثله نماذج نثرية وشعرية، ليس وراءه أي صدق إحساس أو فنية تعبير … وقد كان أغلب النتائج الأدبي لتلك الفترة تدور حول المدائح النبوية والأمور الإخوانية والمراثي الباردة والمواعظ المباشرة…» (1)
    الرواية ونشأتها في الأدب العربي:
    فترة اليقظه في العصر الحديث :
    بعد هذا الركود جاءت فترة اليقظه، الفترة التي تبدأ «بتلك السنوات التي شهدت خروج البلاد من ظلمات العصر التركي، لتفتحّ عيونها علی نور الحضارة الحديثة ولتأخذ طريقها في موكب المدنية المتقدمة … ومن الممكن تحديد تلك البداية بسنوات الحملة الفرنسية ومن سنة، (1798 إلی 1801م)، أي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر …» (2)
    يلخص نتيجة هذه الحملة أولاً: «تعرّف المصريين علی الحضارة المدنية الغربية علی حد ما، وثانياً: تكوين إحساس بالشعور القومي أمام المحتلين وبعد خروج الفرنسيين عن مصر، انتخب الشعب "محمّد علي" للحكم في مصر، قد استقدم محمّد علي أول الأمر الأساتذة الأجانب للتدريس في المدارس المختلفة ونظراً لعدم معرفة هؤلاء بلغة البلاد ومعرفة التلاميذ بلغتهم، فقد استعان بالمترجمين من السوريين والمغاربة وغير هم…» (3)
    ثم «أرسل محمّد علي البعثات إلی أوروبا، ليقوم أبناؤها فيما بعد بمطالب الجيش، وللتدريس في تلك المدارس … وقد تعددت البعثات وتنوعت… وهكذا كان أول لقاء عملي بين المصريين والثقافة الغربيّة في العصر الحديث …فقد عاد هؤلاء المبعوثون بعلم جديد وعقليّة‌ جديدة إلی بلادهم … وترجموا أو ألّفوا وخططوا بهذا ووضعوا أساس الثقافيّة الأدبيّة الحديثّة.» (1) لقد كان النثر في هذه الفترة «يعبرعن موضوعات ساذجة ويتقوقع في الرسائل والمقامات ونحوها من الأنواع التقليديّة …علی أنّ بعض النثر قد خطا خطوة أبعد من تلك الأغراض الساذجة … وأصبح يحمل زاداً فكرياً حيناً وتجارب إنسانيةً حيناً آخر … وكان باكورة ذلك كتاب «تلخيص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة الطهطاوي …تحدث فيه رفاعة عن رحلة إلی باريس … والباحثين يعتبره البذور الأولی للرواية التعليميّة في الأدب الحديث.» (1)
    «وكان طبيعياً أن يأخذ كتاب "رفاعة الطهطاوي"، "تلخيص الإبريز" شكل رحلة كان فيها أكثر تعليمية ومباشرة من كتب الرحالة العرب القدامي …»، (1) .و«رغم أنّ الكتاب قد جاء مزيجاً من خصائص كتب الرحلات والكتب العلميّة… مع خلو تام من كل عنصر الروائي…» (1) ثم بعد الاتصال بأوروبا والتأثر بآدابها اتّّجه الأدباء، إلی القصص العربية وحاولوا أن يترجموها و كان رفاعة الطهطاوي هو الرائد لهذه الحركة، فترجم "مغامرات تليماك"،"لفنلون" وسماها مواقع الأفلاك في وقائع تليماك… فقد نقل القصة إلی أسلوب السجع والبديع، المعروف في المقامات … يقول رفاعة الطهطاوي في مقدمة تليماك: «إنّه مشتمل علی الحكايات النفايس في ممالك أوروبا وغيرها وعليه مدار التعليم في المكاتب والمدارس فإنّه دوّن كل كتاب مسخون بأركان الأدب ومشتمل علی ما به كسب بأخلاق النفوس الملكية وتدابير السياسات الملكية.» (4) وتعد "وقائع تليماك" أول مظهر من مظاهر النشاط الروائي في مصر في القرن التاسع عشر والهدف التعليمي واضح من مقدمته التي كتبها رفاعة علی الرواية المترجمة، وسماها ديباجة الكتاب … وواضح أنّ رفاعة ترجم روايته لهدفين، الهدف الأول، تقديم نصائح للملوك والحكام والهدف الثاني، تقديم مواعظ لتحسين سلوك عامة الناس … ثم «قدّم فرح أنطون قصة في نفس الشكل كان مجالها المشاكل الاجتماعية واختار علي مبارك مجال الرحلة أيضاً لجهوده التعليمية في كتاب، "علم الدين" وكتابه أكثر جفافاً عن كتب الرحالة العرب القدامی وإن كان يتميز هو وفرح أنطون بأنّ رحلة كل منهما التعليميّة، ‌كانت رحلة متخيّلة … وإن كان ذلك لا يميزها عن قصة "حي بن يقطان"، التي كانت أحداثها متخيّلة أيضاً.»(4) و«لم يكن تعليم العلوم هو القصد الوحيد لعلي مبارك من كتابه ولكنه حاول المقارنة بين بعض العادات الشرقيّة والغربيّة ولذلك كان علي مبارك ينظر في كتابه إلی طلبة في المدارس المدنيّة الأخری إلی مشايخ الأزهر، الذين رفضوا محاولاته لإدخال العلوم الحديثة في الأزهر…ولذلك اختار في روايته شيخاً أزهرياً وسماه "علم الدين" … وعلي مبارك يقدّم لنا بهذه الصورة المقارنة بين العادات الشرقيّة والأوروبيّة وهي المحاولة التي سنلتقي بها في صورة أكثر تطوراً في حديث "عيسی بن هشام"…» (2)
    تطور الرواية العربية الحديثة، عبد المحسن، طه بدر تطور الأدب الحديث في مصرفي مصر من أوائل القرن التاسع عشر إلی قيام الحرب الکبري الثانية: ص13 تاريخ آداب اللغة العربية : ص27 - جرحي زيدان- بواكير الرواية، محمد سيد البحراوي – عن أحد المواقع الالكترونية –
    التيار التعليمي الخالص في بداية القرن العشرين:
    «اقترب المويلحي في "حديث عيسی بن هشام"، وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح"، من أشكال النشاط القصصي الذي اعترف به كبار مثقفي تراثنا وهوشكل المقامة.» (5) «ومن عنوان كتاب المويلحي ومن إهدائه لكتابه، تظهر صلته بالتراث العربي القديم وبزعماء الإصلاح الديني والاجتماعي واللغوي الذين كانوا يهدفون في إصلاحهم إلی إحياء هذا التراث وهو لا يسمی كتابه قصة أو رواية وانمّا يسميه حديث عيسی بن هشام وهو يذكرنا في عنوانه بالمقامة من ناحيتين، الناحية الأولی تتمثل في طبيعة من حيث تصويرها … وأما من حيث الإهداء، فقد أهدی كتابه لوالده رمز الصلة التي تربطه من ناحية، ولكونه شق له طريق التأثر بالمقامة في كتابه حديث موسی بن هشام الذي اعتمد علی أسلوب المقامة اعتماداً كبيراً…» (6)
    ولكن، «مما يفرّق بين حديث عيسی بن هشام وبين المقامة من ناحية والرواية التعليميّة التي سبقته من ناحية أخری،‌ أنّه حاول إيجاد رابطة داخليّة بين فصول كتابه وهذه الرابطة وإن بدت ضعيفة باهثه…فانّها ظاهرة جديدة علی الرواية التعليمية… فالمقامات تعبر عن مجموعة من المواقف المنفصلة… فانّ مجال المقارنة بين المقامة وبين القصة القصيرة أوسع من مقارنتها بالرواية.» (6) تيار ما بين التعليم والتّرفيه أو الرواية التاريخيّة وبعد التيار التعليمي الخالص، نصل إلی تيار ما بين التعليم والتّرفيه، ويعتقد الأدباء بأنّ هذا التيار قد بدأ بيد المهاجرين الشوام، الذين كانوا بحكم ظروفهم أكثر إقبالا علی الثقافة الأوربيّة وآدابها وفي الوقت الذي كان المثقفون المصريون والمتمصرون مشغولين فيه بمحاولة تثقيف المصريين وتعليمهم، ثم بمحاولة الإصلاح الاجتماعي وبثّ التراث العربي القديم، كان المهاجرين الشوام مشغولين بنقل الأشكال الأدبيّة العربيّة إلينا.» (6) وفي الحقيقة، «ظهر هذا الاتجاه الروائي التاريخي علی يد "جورجي زيدان"…قدم سلسلة من الروايات التاريخيّة التي تضم في ثنايا البناء القصصي أطراف التاريخ الإسلامي في المشرق والمغرب فقدم، "فتاة غسان" لعرض الأحداث التاريخيّة التي صاحبت الغزوات الإسلاميّة الأولی… وقدم "أرمانوسة المصريّة"، لعرض الأحداث التاريخيّة التي صاحبت فتح العرب لمصر وكتب "عذراء قريش" و"غادة كربلاء" و"الحجاج بن يوسف" للتاريخ للوقائع التي حدثت خلال الصراع السياسي و…» (7)
    و تحتوي كل رواية من روايات جورجي زيدان عنصريين أساسيين،‌ الأولی عنصر تاريخي يعتمد علی الحوادث والأشخاص التاريخية، والثاني عنصر خيالي يقوم علی علاقة غرامية بين محبين… ومن جانب آخر « قد حاول، "فرح أنطون" تقليد جرجي زيدان في رواياته التي تجمع بين تعليم التاريخ والغرام، فكتب روايته "أورشليم الجديدة"، التي يتحدث فيها عن فتح العرب لبيت المقدس في عهد الخليفة عمر، وقد ضمنها عنصراً غرامياً ولكنه أضعف بكثير من العنصر الغرامي عند جرجي زيدان…» (6)
    رواية التّسلية والتّرفيه:
    كانت الرواية التعليميّة، تخاطب المثقفين المصريين لأهداف التعليم وإصلاح المجتمع عن طريق النقد الاجتماعي التي متأثرة بالعلوم الغربيّة، في حين أنّ الرواية ما بين التعليم والتّرفيه تأخذ جانبا خاصا في نقل الرواية وهي عبارة عن الأحداث التاريخيّة بمشخصاته وترضي عدداً خاصاً من القراء ولكن رواية التّسلية والتّرفيه تخاطب الجماهير، لإرضاء ميولهم وأذواقهم لأنّ سياسة المحتلين منذ عصر إسماعيل « تتجه إلی مقاومة التعليم عموماً والتعليم العالي بصفة خاصة، وذلك لخلق نموذج من القراء لا يتمتع باستقلال الشخصيّة ولا القدرة علی التفكير الحر المستقل … وقد ساعدت هذه السياسة علی إيجاد طائفة كبيرة من المصريين، يستطيعون القراءة والكتابة ولكنّهم لا يتمتعون بقدر مناسب من الوعي يدفعهم إلی التنبه للمشاكل الحقيقيّة … ووظيفة القراء عند هذه الفئة مقتصرة علی تحقيق حاجتها إلی التسلية وإلی نسيان هموم وآلامه.» (6)
    «وقد ساد تيار رواية التّسلية والتّرفيه في الفترة التي تمتد من أواخر القرن التاسع عشر، إلی الثورة القومية في سنة 1919م، وظلت الرواية حتی هذه الفترة غير متعرف بها من كبار المثقفين والأدباء، لأنّ المثقفين كانت جهودهم مركزة إما في ميدان النضال السياسي أو في ميدان الإصلاح الاجتماعي… ولذلك ظل ينظر إلی الرواية علی اعتبارها وليداً غير شرعي في هذا المجتمع…» (6) ونری بأنّ هيكل، كاتب رواية "زينب" اضطر «نتيجة لهذا الاحساس إلی عدم إطلاق لفظ رواية علی روايته زينب وسماها "مناظر وأخلاق ريفية" ،كما أنّه ‌لم يجسر علی وضع اسمها عليها ولكنّها اكتفی بوصف مؤلفها بأنّه «مصري الفلاح »… وأنّ موضوعها هو الحب، تلك العاطفة التي ينظر إليها بنفس الاستنكار الذي كان ينظر به المثقفون إلی الرواية.» (6) و إذا كان كبارالمثقفين من المصريين والممتصرين المسلمين، قد نظروا إلی الرواية هذه النظرة، رفضوا أن يشغلوا أنفسهم بها، فإنّ المهاجرين من الشام هم الذين حاولوا تقديم هذا الفن لهذه الفئة الجديدة من القراء …
    الصحافة وأثرها علی رواية التّسلية والتّرفيه:
    كان الدافع الأكبر الذي دفع المهاجرين الشوام إلی تقديم روايات التّسلية والتّرفيه يرجع إلی اشتغالهم بالصحافة وسيطرتهم علی الصحف والمجلات منذ بداية عهد الاحتلال … وفي أوائل عهد الاحتلال قضت سلطات الاحتلال علی الصحافة الوطنيّة ولم يبق من الجرائد ذات النفوذ إلی جرائد المهاجرين الشوام وأهمها الأهرام… و في أوائل عهد الاحتلال خفت عن حدة الجمهور علی الصحف السياسيّة في هذه المجلات… فقد انتشرت في الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر… رواية سلسلة … وتقديم هذه الروايات في صحفهم عنصراً من عناصر جذب القراء إليها…
    الترجمة وأثرها علی رواية التّسلية والتّرفيه:
    ظلت حركة الترجمة حتى بعد وفاة محمّد علي راكدة حتی جاء عصر إسماعيل فبدأت حركة الترجمة تتسع، فشملت كل المعارف ولكن كان النصيب الأكبر فيها للروايات ومما هو جدير بالذكر هو أنّ المؤلفات التي ترجمت في كل علم وفن كانت قليلة إلاّ
    القصة والرواية، ص 73 - عزيزة مريدن –
    تطور الأدب الحديث في مصر من أوائل القرن التاسع عشر إلی قيام الحرب الکبري الثانية: ص73 – ص 113 - 121 - 122 و 123 – 124 -
    تطور الرواية العربية الحديثة ص 193 و 194- عبد المحسن، طه بدر -
    فيما كان يختص بالروايات التي أخذ عددها يتزايد نظراً لإقبال الجمهور عليها وشغفه بها. و« أغلب ما عرّب من الروايات كان من نتاج العصر الرومانسي في الأدب الأروبي، وقد ساد التيار الرومانسي في الأدب الغربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر وحينما عرّب المترجمون الفنون الروائية لم يهتموا بالإنتاج الأكثر جودة وإنمّا اهتموا بكتب أكثر شعبية وشهرة … واهتموا بإعمال صغار الكتاب الذين خضعوا لما في الرومانسية من حرّية وعاطفة وجموح وخيال …» (8) تقسّم الدكتورة لطيفة الزيات في رسالتها، «حركة الترجمة الأدبية للروايات المترجمة من حيث الموضوع إلی قصص شرقية وقصص تاريخية وقصص غرامية وقصص اجتماعية وقصص مغامرة وقصص بوليسية وبالنسبة إلی القصص التاريخية نری بأنّ هذه القصص تمثل رغبتها في التحريف علی التاريخ ولا ينبع عن إحساس قوي متبلور، وبالنسبة إلی القصص الاجتماعية كان أغلب القصص لا يكشف عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية بل يقصد به التّسلية وأنّ الخصائص الفنية لهذا النوع من الرواية يعتمد علی فضول القارئ ويقدم سلسلة من الحوادث العجيبة والأبطال فيه إما أخيار بصورة مطلقة أو أشرار بصورة مطلقة. (9)
    عناصر الرواية:
    الرواية هي أكبر أنواع القصص من حيث طولها ولكن الطول ليس وحده هو ما يميز الرواية عن القصة أو الأقصوصة، ‌فالرواية تمثل عنصراً وبيئةً، أي أنّ لها بعداً زمنيا من المألوف أن يكون زمانها طويلاً ممتداً، بل ربمّا اتّسع البعد الزمني، فاستغرق عمر البطل أو أعمار أجيال متتابعة فن القصة تقوم بمعالجة المشاکل المحددة فی الحياة أو جانب من شخصية أو الشخصيات التي تصور الحياة الإنسانية ولهده الرواية مقومات نذكر منها:
    الحدث:
    «يرتبط الحدث بالشخصية فی الأعمال القصصية ارتباط العلة بالمعلول وعلی هذا فإنّ الرواية = فعل(حدث) + فاعل(شخصية)، فالحدث إذن شیء هلامي إلی أن تشکله الشخصية بحسب حرکتها نحو مسار محدد يهدف إليه الکاتب ومعنی ذلک أنّ الحدث هو "الفعل القصصي" أو هو الحادثة ”event" التي تشکلها حرکة الشخصيات، لتقدم فی النهاية تجربة إنسانية ذات دلالات معينة.» (10)
    الشخصية:
    «الشخصية هي الکائن الإنساني الذي يتحرک فی سياق الأحداث وقد تکون الشخصية من الحيوان، فيستخدم عندئذٍ کرمز يشف عمّا وراءه من شخصيّة إنسانيّة تهدف من وراءها العبرة والموعظة، کما في، "کليلة ودمنة"، والقصص التعليميّة الأُخری. وقد تکون الشخصية فی القصة رئيسية، وقد تکون ثانوية.» (11)
    الشخصيه النامية:
    تنمو بنمو الأحداث وتقدم علی مراحل أثناء تطور الرواية وهي في حالة صراع مستمر مع الآخرين، أو في حالة صراع نفسي مع الذات. الشخصية المسطحة : لا تکاد طبيعتها تتغير بداية القصة حتّی النهاية، وانمّا تثبت علی صفحة واحدة تکاد لاتفارقها.
    لغة الحوار والسرد:
    «الحديث عن السرد والحوار- في حقيقته- حديث عن الوعاء اللغوي، الذي يحتوي کل عناصر القصة، باعتبارها نوعاً من فنون القول، غير أن کتابة القصة "باللغة" أصعب من کتابة القصيدة والمسرحية اللتين تستخدمان أيضاً نسقاً أسلوبياً واحداً…» (12)
    السرد:
    «السرد قول أو خطاب صادر من السارد، يستحضر عالماً خيالياً مکوناً من أشخاص يتحرکون في إطار زماني ومکاني محدد ومادام السرد قولاً فهو لغة ومن ثم فانّه يخضع لما تخضع له اللغة من قوانين وأهداف والهدف الذي تسعی إليه اللغة هو، "التواصل أو التوصيل".» (10)
    الحوار:
    الحوار جزء من البنية العضوية للرواية له ضرورته وأهميته فهو يدل علی الشخصية ويحرک الحدث ويساعد علی حيوية المواقف ولابّد أن يکون دقيقاً بحيث يکون عاملاً من عوامل الکشف عن أبعاد الشخصية أو التطور بالموقف إلی تجلية النفس الغامضة أو الوصول بالفکرة المراد التعبير عنها والحوار الجيد يکشف عن معاناة شاقة مع الموقف والکلمة ودلالات اللفظ.
    الزمن:
    يمثل الزمن عنصراً من العناصر الأساسية التي يقوم عليها فن القص، فإذا کان الأدب يعتبر فناً زمنياً- إذا صنفنا الفنون إلی زمانية ومکانية- فإن القص هو أکثر الأنواع الأدبية التصاقاً بالزمن. المکان «المکان – في الحقيقة- هو البيئة التي يعيش فيها الناس ولا شک أنّ الإنسان «ابن البيئة» وهي التي تعطيه الملامح الجسدية والنفسية فنحن جميعاً بشر… لکن المکان الذي تولد فيه هو الذي يحدد سمائنا الخاصة المتميزه، لذلک يجب أن يهتم الکاتب القصصي بتحديد "المکان" اهتماماً کبيراً… فقصة الحب مثلاً تختلف اختلافاً واضحاً إذا وقعت فی قرية أومدنية أو بادية، کذلک ينبغي أن يعني الکاتب بتصوير مفردات المکان الذي تتحرک فيه الشخصيات…»(10)
    أحد المواقع الالكترونية – ديوان العرب – تطور الأدب الحديث في مصر من أوائل القرن التاسع عشر إلی قيام الحرب الکبري الثانية : ص 131حتی ص 137 دراسة فی نقد الرواية: ص 28 - طه وادي – القصة والرواية: ص27 - عزيزة مريدن – السرد في الرواية المعاصرة: ص 145 - الكردي عبد الرحيم – نموذج الرواية عند نجيب محفوظ :
    « إنّ نجيب محفوظ بدأ حياته الأدبية بکتابة المقال و کانت عنايته الأساسية بالمقالات الفلسفية .و من خلال اهتمامه بکتابة المقال« اقدم علی کتابة القصة القصيرة في فترات هامة من التاريخ المصری الحديث . فمجموعته الأولی «همس الجنون» کتبت في فترة أليمة شهدت نجاح مؤامرة البورجوازية المصرية الکبيرة بالتصالح مع الإستعمار الإنجليزی و اخماد ثورة 1919 وانتهت بتوقيع معاهدة 1936 التی اکسبت وجود الاستعمار الإنجليزی شرعية .
    کانت تنشر مجلة «الرواية» کتابات نجيب محفوظ و عندما تفاقمت أزمة الورق عام 1939 و توقفت المجلة ، انصرف نجيب محفوظ إلی کتابة الرواية . الرواية عنده أفضل الفنون شکلاً إذ يعتقد أنّ فيها توجد اللحظة أو الموقف الواحد اللذين تمتاز بهما الأقصوصة و أيضاً في الرواية يوجد جميع المواصفات التی توجد في المسرحية و الشعر و السينما کالحوار و المواقف الدراماتيکية. و هو يقول حول الصلة بين الرواية و الفنون الأخرى کالشعر و المسرح و السينما:«الرواية شکل فنی من اشکال الفنون، انما هي شکل له صفات المسرح و السينما بحيث إنها تستطيع أن تجمع کافة الفنون في شکلها الخاص .فالرواية کفيلم تجد فيها الفکرة و العلاج و الحوار و الإخراج و التمثيل و الملابس و الديکور و الموسيقی و المونتاج» فبذالک أصبحت الرواية عنده مرکز الاهتمام و انصرف إلی کتابة الروايات فقام بها في الموضوعات المختلفة ، الروايات التی تعتبر صدی لواقع المجتمع المصری. و لقد مرت الرواية عند نجيب محفوظ بمراحل هی: التاريخية ، الاجتماعية ثم الفلسفية. »(13)
    « يحتل "نجيب محفوظ" مکاناً فريداً فی تاريخ الرواية العربية، وقد لعب فی تطورها دوراً لا أخاله أتيح لکثيرين غيره من کتاب الرواية فی العالم… يقف نجيب محفوظ علی رأس الجيل الثاني من کتاب الرواية فی مصر والجيل الثاني فبدأ ظهوره فی الأربعينات وهم "نجيب محفوظ"، و"إسحار"، و"عادل کامل"، و"يحيی حقّي" و"عبد الحليم عبد الله"، و"يوسف السباعي".» (14) حاول نجيب محفوظ في أثناء فترة الصراع الأيديولوجي من أجل تحديد الأصل الحضاري لمصر أن يفعل ما فعله "وولترسکوت"، بالنسبة لتاريخ إنجلترا ومن هنا مضی يعد خطة لکتابة تاريخ مصر فی أربعين رواية ثم انتقل من المرحلة التاريخيّة إلی المرحلة الواقعيّة وهي تشتمل الروايات الواقعيّة التحليليّة والروايات الواقعيّة النقديّة تشمل الروايات، "القاهرة الجديدة 1945م"، "خان الخليلي 1946م"، "زقاق المدق 1947 م"، و"السراب 1948م"، و"بداية ونهاية"1941م .» (15)
    الخلاصة
    انّ الروايات الحديثة التی نقوم بقراءتها اليوم قطعت أشواطا من التطور من حيث الکتابة و المضمون إذ أنها في الفترات السابقة کان يلاحظ فيها استلهام کتّابها من الغربيين خاصة في مضامينها حيث أنهم کانوا يقيمون کثيرا بالتقليد فی هذا المجال أما من خلال هذا التطور فظهر کتّاب کبار في البلاد العربية نموذج منهم و هو نجيب محفوظ فی مصر الذی کان يکتب عن البلاد العربية و خاصة عن مصر و حقائقها و إنّ المضامين التی کان يستخدمها کانت منبعثة عن بلاده و واقعه وفضلا عن هدا التطور التدريجي للرواية فقد وصلت إلی حدٍ أصبحت فيه قابلة للقراءة علی المستوی العالمی.
    المصادر للو المراجع :
    -موقع ديوان العرب – بقلم – محبوبة بادرستاني - باحثة وكاتبة إيرانية، خريجة جامعة آزاد الإسلامية في كرج .
    - الاعمال الکاملة فی الرواية العربية، صص: 39 ،40 - فاطمة موسى –
    - موقع جوجل "http://www.google.co.ma"www.google.co.ma
    - تطور الرواية العربية الحديثة - عبد المحسن طه بدر - الطبعة الثالثة – دارالمعارف - 1976م.
    - تطور الأدب الحديث في مصر من أوائل القرن التاسع إلى قيام الحرب الكبرى الثانية - الطبعة الثانية - أحمد هيكل - دار المعارف القاهرة 1994م.
    - تاريخ الآداب اللغة العربية - جرحي زيدان - دار مكتبة الحياة - بيروت لبنان 1978م.
    - القصة والرواية - عزيزة مريدن - دار الفكر بيروت - 1980م.
    - دراسة في نقد الرواية - طه الوادي - الطبعة الثالثة دار المعارف القاهرة 1994م.
    - السرد في الرواية المعاصرة الكردي - عبد الرحيم - مكتبة الآداب القاهرة 2006م.
    - الأعمال الكاملة في الرواية العربية – فاطمة موسى - الجزء الأول - الطبعة الثالثة - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997م.
    - محرك البحث جوجل ( www.google.co.ma )