لعجان يوسفمنصة تربوية وأكاديمية للمعرفة والبحث

مرحبًا بكم في مدونة لعجان يوسف

مساحة معرفية تهتم بالقضايا التربوية، والبحث العلمي، والكتب، والمستجدات الأكاديمية.

استكشف المحتوى
عرض تلقائي لأحدث المنشورات

جارٍ تحميل أحدث المنشورات...

ستظهر مقالات المدونة هنا تلقائيًا.

أحدث المنشورات

عرض الكل

تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي

 


يقدم التقرير العام، للجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النتائج الأساسية وتوصيات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد. ويعتبر هذا التقرير نتيجة لتفاعلات عديدة أطلقتها اللجنة طوال السنة الماضية مع القوى الحية للأمة. وقد تم إرفاق التقرير بثلاث ملاحق يمكن الرجوع إليها أدناه.

بحيث يتمحور التقرير حول ثلاث أقسام: يتناول الأول منها مغرب اليوم وعالم المستقبل، ويعرض الثاني النموذج الجديد المقترح من طرف اللجنة، في حين يقترح القسم الثالث دعامات التغيير للوصول إلى النموذج المنشود.

كما تم إرفاق التقرير العام للجنة، بثلاث ملاحق هي بمثابة عناصر تكميلية لفهم النموذج الجديد للتنمية وطريقة إنجازه من خلال:

  • ملخص جلسات الإنصات والمساهمات التي أغنت البناء المشترك للجنة الخاصة بالنموذج التنموي. يقدم هذا الملخص تفاصيل عن المقاربة التشاركية المعتمَدة في إعداد النموذج التنموي الجديد كما يستعرض التفاعلات الغنية مع المواطنين والمؤسسات؛
  • مجموع المذكرات الموضوعاتية، مشاريع ورهانات المستقبل المنبثقة عن النموذج الجديد للتنمية، ومحاوره الاستراتيجية للتحول وكذا دعامات التغيير؛
  • لائحة جلسات الاستماع، المساهمات، الأنشطة وكذا بيبليوغرافيا، حيث ساهمت هذه العناصر مجتمعة في إغناء أشغال اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.

وفيما يلي التقرير وملاحقه للتنزيل:

تقرير اللجنة (النموذج التنموي الجديد pdf)

تحميل

ملخص جلسات الإنصات والمساهمات

تحميل

مجموع المذكرات الموضوعاتية

تحميل

لائحة جلسات الاستماع والمساهمات...

تحميل

| مفتاح اللغة العربية |

مفتاح اللغة العربية


يقدم هذا الكتاب طريقة مبتكرة في تدريس قواعد اللغة العربية لفئة خاصة من المتعلمين الكبار الذين يتقنون لغات أخرى غير العربية (من الموظفين و غيرهم) في بلاد المغرب العربي الذين يمارسون عملهم باللغات الأجنبية، لأسباب تاريخية صيرتهم مواطنين شبه غرباء في إدارة بلدانهم العربية و نظرا لأن هؤلاء المتعلمين المعنيين ليسوا أميين فقد قدم لهم الكتاب هذه الطرق في عدد من الدروس المركزة التي تعتمد على الفهم و ليس على الحفظ،وهي لا تتجاوز خمسة عشر درسًا تغطي في مجموعها أهم قواعد النحو و الصرف الخاصة ببرنامج المرحلة المتوسطة و الثانوية.
و لذلك فالكتاب يصلح لمراجعة أية قاعدة في النحو أو الصرف بالنسبة للأشخاص المتعلمين الذين يريدون تحسين مستواهم الشخصي أو يساعدوا أبناءهم في هذه المواد،كما يصلح لمساعدة أساتذة اللغة العربية لتحضير الدروس وتقديم التمارين التطبيقية للطلبة بما يجعل من الكتاب أداة بيداغوجية فعالة، لفئة خاصة من المتعلمين والأولياء الجادين والمتعلمين المجتهدين أو حتى العصاميين الذين يكونون أنفسهم، في مجال إتقان قواعد اللغة العربية، والتحكم في أساليب التعبير بها كتابة وحديثًا!.

| مستقبل اللغة العربية |

مستقبل اللغة العربية


قبل أقل من قرن من الزمان كان معظم الباحثين الغربيين الذين يهتمون بعوامل وجود الأمة و بقاء هويتها و وحدتها الثقافية يراهنون على زوال اللغة العربية و تحولها إلى لغات جهوية و قطرية قائمة بذاتها على غرار واقع اللغة اللاتينية اليوم،و لكن نظرا لخصائص تنفرد بها لغة الضاد مادون جميع لغات العالم أعطتها مناعة ربانية مكنتها من الصمود بفضل كتابها الخالد الذي تعهد الله بحفظه في قوله: « إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون » فإن كل المؤامرات و المخططات التي وضعها أعداء هذه اللغة في الخارج و الداخل من الفاعلين الحقيقيين و نواب الفاعل قد تحطمت على صخرة الإرادة الإلهية التي قيضت لها من عوامل الصمود و الانتشار و الازدهار ما لم يكن في حسبان بشر، فأصبحت بفضل هذه الثورة الكونية الحاصلة في مجال وسائل الاتصال من فضائيات و شبكات عنكبوتية من اهم اللغات التي تحتل الصدارة في الاستعمال و تبشر بمستقبل زاهر لها بفضل حافظها رغم أعدائها كما هو مبين في الكتاب بدون لبس أو غموض أو ارتياب.

لمطالعة الكتاب كاملا من هنا
لتحميل الكتاب من هنا


| نـظـريـة الـتـلـقـي |




تــمــهــيـد:

لم تنشأ نظرية التلقي من فراغ، وإنما استمدت أصولها النظرية من الفلسفة الظاهراتية، وأصبح المنظور الذاتي هوالمنطلق في التحديد الموضوعي، ولا سبيل إلى الإدراك والتصور الموضوعي خارج نطاق الذات المدركة، ولا وجود للظاهرة خارج الذات المدركة لها.
فهي تسعى في مجمل أهدافها إلى إشراك واسع وفعلي للمتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص الفنية، حيث أن حضوره أضحى نافذا منذ وضع اللبنات الأولى لكتابة الرواية، فانتقل من دور المستهلك إلى مرتبة الشريك المحاور الذي يملأ الفراغات بل يلزم الكاتب بتركها، كما استطاع أن يرغم الكاتب يوما بعد يوم على إسقاط الأقنعة اللغوية والبلاغية التي طالما تدثر بها. ويمكن استشفاف ذلك من خلال مجموعة من مجموعة النقط والقضايا التي سأتطرق إليها في هذا العرض؟

تقديم المتلقي وتـجلياته:

مفهوم المتلقي (القارئ):

يطرح هذا المفهوم عدة صعوبات، إذ تتضارب حول الآراء، فإيزر يتحدث عن القارئ الضمني وأمبرتوإيكويتحدث عن القارئ النموذجي، وهناك من يتحدث عن القارئ الواقعي والمثالي والفذ والعليم، ومهما تعددت الأسماء والتصنيفات فإن القارئ موجود بالقوة والفعل إلا أنه يتعذر تصنيفه ضمن فئات محددة.
إن القارئ الحقيقي أيا كان نوعه دائما يُمنح دورا معينا ليلعبه، و" هذا الدور هوالذي يشكل مفهوم القارئ الضمني،"( ) وهو– أي القارئ الضمني – الذي يرافق الروائي في جميع مراحل إنجازات الرواية، ويصطحبه في رسم كل الاستراتيجيات التي تكون الرؤيا الشمولية للرواية. ولهذا المفهوم جانبان أساسيان ومتداخلان، دور القارئ بوصفه نصية " أي أن المؤلف حينما ينسج عمله الأدبي يبني رؤية محددة للعالم، وقد تكون هذه الرؤية محددة المعالم، وفد لا تكون هذه الرؤية بالضرورة رؤيته الخاصة، وبذلك فالعمل الأدبي ليس نسخة من العالم المفترض، فهويبني عالما خاصا به يصنعه من المادة الموفرة له، ولذلك يأتي على درجة متفاوتة من الغرابة بالنسبة لقرائه المحتملين، لذلك فلا بد للنص أن يخلق موقفا يساعد القارئ على رؤية أشياء ما كان له أن ينتبه إليها "( ).
ودور القارئ باعتباره فعلا مركبا وهوالدور الذي من المفروض أن يضطلع به القارئ هوأن " العمل الأدبي وخاصة الرواية بناؤها من أربع رؤى أساسية، وهي رؤى الراوي والشخوص والحبكة والقارئ الوهمي،"( ) والتي قد تتفاوت في ما بينها من ناحية الأهمية إلا أنها تجتمع داخل نقطة التقاء واحدة هي معنى النص ، وعلى القارئ أن يدرك مختلف وجهات نظر الرؤى النصية واندماجها الذي يوجه التفاعل بين الرؤى المتغيرة والاندماج التدريجي.
إذن فالقارئ مع نظرية التلقي أصبح يستبد النص في وجوده وفي غيابه، وأثناء إنتاجه من طرف الكاتب، وطول مدة قراءته. يقول نورمان هولاند فيرى " أن قراءة القارئ للنص إنما هي قراءة لهويته هو، إن القارئ يضم خيوط هويته فينسجها خلال استجابته للعناصر التي يتكون منها النص "( ) فالنص إذن يعيش تحت سلطة القارئ ووعيه أكثر مما ينعم بالحياة والراحة عند صاحبه.

خبرة المتلقي وذوقه الجمالي:

ليست مهمة المتلقي مقصورة فقط على مجرد الاستحسان أوالاستهجان، بل هي مهمة البحث والتنقيب وإعمال الفكر، وليس كل متلق يهتدي بفكره إلى وجه الكشف عما اشتملت عليه الصورة من معنى دقيق، بل يتطلب الأمر أن يكون المتلقي قادرا على إدراك العلاقات في مجال الصورة. فخبرة المتلقي " ليست مقاييس هندسية حادة، تتعامل مع النص بحسابات جبرية فترفض هذا الشكل لوجود انحراف معين عن زواياه المحددة، أوتقبل غيره لتساوقه مع القياس "( ) بل خبرته وذوقه الجمالي هي وسائل استكشاف لعناصر الجمال في النص.
فعملية التلقي هي في الأصل عمل فني مشترك يسهم فيه صاحب النص بخلاصة التجربة التي عايشها، وتسهم فيه اللغة بدلالاتها الموحية، كما يسهم فيه الدارس أوالمتلقي بخبرته الفنية وذوقه الجمالي. فالعلاقة بين هذه المحاور تشبه " بناء هرميا، قمته النص في لغته ومعطياته، وقاعدته المتلقي والأديب وهي علاقة قد لا تبدوواضحة وضوح الحس بهذا الشكل التنظيمي ولكنها علاقة ذهنية تفرض نفسها على المتلقي ناقدا أوقارئا أومستمعا."( )

مستويات تطور المتلقي:

بفضل انتشار الصحافة والمجلات الأدبية المتخصصة، أضحى للقارئ دور مهم في الساحة الأدبية انطلاقا من عملية اختياره للمؤلـَّفِ ( رواية أوغيرها ) واقتنائها إلى مرحلة نقدها وتقييمها. فقد تكونت لديه بعض المعايير الجمالية التي تؤهله للانخراط المسؤول والفعال في المسيرة الأدبية، فأصبح الكاتب كذلك يحتاط في كتاباته ويستحضر مستويات القارئ أثناء بناء هيكلها، إذ أصبح يحاول استبطان أفق انتظارهم، وبفضل سلطة القارئ يرى أحمد اليابوري " أن مؤسسة الرواية شهدت تغييرات على مستوى اللغة والخيال والتيمات، فعلى المستوى الأول انتقلت من الرصف إلى أغلال السجع والمحسنات البديعية إلى البساطة والميل إلى السهولة، ومجاراة لغة الناس، أما على مستوى التخييل فقد وقع هناك تحول والتجأ بعض الروائيين أمثال الطاهر وطار والميلودي شغموم... وغيرهما، إلى توظيف العجائبي من أجل التجريب "( )
فمن خلال هذا يتضح أن القارئ انتقل من مرتبة المستهل إلى مرتبة الشريك المحاور الذي يملئ الفراغات بل يلزم الكاتب على تركها، كما استطاع أن يرغم الكاتب يوما بعد يوم على إسقاط الأقنعة اللغوية والبلاغية التي طالما تدثر بها. فسعي نظرية التلقي إلى هدف الإشراك الواسع للمتلقي، هوهدف غايته تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص الفنية.

مهمة القارئ أوالمتلقي:

إن مهمة القارئ هي مهمة تأويلية في الدرجة الأولى، بحيث يجب أن تكون هي العملية التوضيحية للمعاني الكامنة في النص، والأجدر أن لا يقتصر تأويله على معنى واحد فقط أوعلى معنى سطحي. فالمعنى الكامن الكلي لا يمكن أن يدرك من خلال عملية القراءة فقط، لكن هذا الأمر هوالذي يجعل المعنى أكثر جوهرية إلى حد أن المرء كلما أعاد القراءة اكتشف معاني أخرى... فعندما ندرك تلك العوامل التي تكون شرطا أساسيا في تكوين المعنى وصياغته، سنكون إنئذ قادرين على استنباط المعنى الوحيد – ولوأن كلمة وحيد مبالغ فيها -...
إن إشكالية التأويل مشروط بنية المعنى التخييلي، والتي لا تتحدد إلا من خلال مسألة مهمة وهي القراءة، بحيث نجد هناك مجموعة القراءات التي تختلف في عمليتها التأويلية، فكما هومعلوم أن التأويل للنص لا يمكن أن ينشأ إلا من خلال عملية قرائية صحيحة ومضبوطة الخطوات والتقنيات، التي تحدد المعنى من خلال أشكال مختلفة عن طريق التحليل المؤسس للفهم.

علاقة القارئ بالنص:

طبيعة البنية النصية وفهم القارئ:

من اللازم والضروري أن تكون هناك طبيعة معقدة تحتضن البنية أوالبنيات النصية، فبالرغم من أن النص يتضمنها ويحتضن مجموعة من المتتاليات، فوظيفته لا تستوفي إلا إذا كان هناك تأثير من القارئ. وكما أشار إلى ذلك فولفغانغ إيزر " أن كل بنية قابلة للتمييز في التخييل لها غالبا وجهان:
الوجه اللفظي: وهويوجِّهُ المظهر اللفظي رد الفعل ويمنعه من أن يكون اعتباطيا.
الوجه التأثيري: يكون المظهر التأثيري استفاءا لذلك الشيء الذي قد تمت بنْيَنَتُهُ بواسطة لغة النص.
وبالتالي فأي وصف للتفاعل بين المظهرين يجب أن يجسِّد في الآن ذاته بنية التأثيرات (النص) وبنية التجاوب (القارئ)." ( )
إن النص هوتصور مركب، فلا يمكن ينطبع تلقائيا في ذهن القارئ، لأنه لا يمكنه أن يكون النتاج الكلي للمعنى، فما يعرضه النص ينبغي إدراكه حسيا، وتتوقف طريقة إدراكه على القارئ بنفس قدر توقفها على النص نفسه. كما أن القراءة ليست عميلة تلقين مباشرة، لأنها لا تسير في اتجاه واحد، فهي إذن تفاعل دينامي بين القارئ والنص.
إن فهم النص يتطلب من القارئ امتلاك أفق انتظار مرن ومطاوع يساير النص في توجيهه العام حتى لا يسيء فهمه في الوقت الذي يراكم فيه افتراضات تأويلية على امتداد المتواليات السردية، فالنص مهما انتشرت رقعته لا يساوي ما يستخلصه منه القارئ. إذن فالقراءة " أرحب من الكتابة، إذ لا يكتفي القارئ بمطاوعة الكاتب في الالتزام بما هومكتوب، وإنما يضيف إليه ما يحصى من الافتراضات أثناء القراءة، وهويسميه إيزر وجهة النظر المتجولة ."( )

التفاعل بين النص والقارئ:

إن النقص الحقيقي في القدرة على التأكد وفي القصد المحدد، هوبالضبط يحدث التفاعل بين القارئ والنص، وهنا يوجد ربط حيوي بين الثنائي. فالنص يثير باستمرار وجهات نظر متغيرة لدى القارئ. ومن خلال هذه " الوجهات يبدأ اللاتماثل في فسح الطريق لبلوغ الأرضية المشتركة لوضعية ما. ولكنه من خلال تعقيد البنية النصية، يصعب على هذه الوضعية أن تكون مشكلة بصورة نهائية من طرف إسقاط القارئ ( وعلى العكس من ذلك فإن تلك الوضعية يعاد تشكيلها باستمرار مثلما يعاد تعديل الإسقاطات نفسها بواسطة لاحقتها)." ( )
فالنص بخلاصة موجزة، هونسق كامل من مجموعة من العمليات، وفي هذا النسق يقع مكان يخص الشخص الذي ينبغي عليه أن ينجز إعادة التركيب. هذا المكان يتميز بالفراغات القائمة في النص، وهويتكون من البياضات التي يجب على القارئ ملؤها، وبالطبع فإن هذه البياضات لا يمكن أن تملأ من طرف النسق نفسه، وبالتالي فإنه يستتبع ذلك أنها لا يمكن أن تملأ إلا من قبل نسق آخر. ومتى سدَّ القارئ هذه الفراغات بدأ التواصل.
فالبياضات والفراغات النصية، تترك الروابط مفتوحة بين المنظورات في النص، وبالتالي فهي تحث القارئ على التنسيق بين المنظورات، من خلال إنجاز العمليات الأساسية داخل النص، وذلك بدافع أن يتبنى القارئ في آخر المطاف موقفا يتعلق بالنص.
إذن ففهم النص وتحقيقه للتفاعل مع القارئ، يقتضي تمكنا من وحدته – أي النص – والاستجابة لمتطلباته، وبمعنى آخر فإن تأويل النص الإبداعي يعني إتباع النهج الذي يفتحه هذا النص.

نموذج رواية "مدائن نون":

" إن هذه الرواية هي تجربة سردية حديثة، تنزاح بالقارئ أثناء قراءته إلى أفق انتظار تطبعه الدهشة والمتعة، إذ أن النص يسمح بتوسيع واقع القارئ وأفقه التوقعي من خلال البياضات واللاتحديدات، وهي اللاتوازنات التي يعيد القارئ توازنها، ويتمم نقصها، انطلاقا من قراءته لمقاصد النص وخفاياه الجمالية من خلال سياقات تناصية حولها الكاتب بذكاء إلى خطابات محكية تؤثت للحدث المشترك، وأن قواها الفاعلة يقوم بأدوار ووظائف في إطار علاقات صراعية، تحمل أبعاد درامية، ودلالات عاطفية ونفسية واجتماعية وتاريخية.
فقارئ هذه الرواية، سيجد نفسه في عالم نص يستشف منه اللذة وحب القراءة، انطلاقا من:
- زمن التلقي الجمالي المقترن بالدهشة الفنية، التي يحسها قارئ هذا العمل السردي، فيخضع لوقعه ويتفاعل معه في معزل عن العملية الإدراكية.
- زمن التأويل الاستعادي الذي يتحقق للقارئ وفق قراءة استعادية، يطمح من خلالها إلى تبرير دهشته عن طريق تطلعه إلى الفهم والتأويل وكشف الأفعال الكامنة في هذا النص السردي.
- زمن التلقي التاريخي الذي يتم عن طريق تأويل النص، اعتمادا على كشف النص ومقارنة صيغة العرض ومقاطعه، وطريقة تنظيمه الزمني، وتنظيمه الموضوعاتي (التيماتي ). خاصة وأن رهان هذا النص السردي المعنون بـ مدائن نون هوتعبير عن رؤية وموقف وفكر يمتزج فيها الخيالي بالواقعي، والاجتماعي بالسياسي، والديني بالأسطوري، لذلك تداخلت الأحداث والشخصيات، وتكررت المشاهد والمواقف المتباينة في بناء الحدث وتلونت الحبكة في تعقيداتها وتركيباته، وطبيعة تسييرها في هذه الرواية، تحيل في جوهرها إلى قضية وجودية، أساسها الإنسان، تثير خلفيات رغباته وميولاته وأحاسيسه المتباينة إزاء مواقف دقيقة ومعقدة كالموت والحب والسلطة، بلغة سردية مثيرة، وبأساليب محكمة كثيرا ما تضم اقتباسات وتضمينات، تمد الأحداث بنفس يترجم صياغة الكينونة والامتداد.
في خلاصة الحديث، يمكن أن يتفاعل القارئ مع هذا العمل السردي انطلاقا من مقاربة مستويات بناء المعنى واكتشافها ورصدها، بناء على مستوى النصية، ومستوى التفاعلية ومستوى القرائية."( )

الـخـاتـمـة

إن الشيء الأساسي في قراءة كل عمل أدبي، هوالتفاعل بين بنيته النصية ومتلقيه (أي القارئ ). فالنص ذاته لا يقدم إلا مظاهر خطاطية يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجمالي للنص بينما يحدث الإنتاج الفعلي من فعل التحقق الذي ينجزه القارئ.
فجمالية التفاعل لا تظهر إلا من خلال مرور القارئ عبر مختلف وجهات النظر التي يقدمها النص ويربط الآراء والنماذج المختلفة بعضها ببعض. هذا الفعل الحركي الذي يقوم به – أي القارئ –، فإنه يجعل العمل الأدبي يتحرك، كما يجعل نفسه حركة كذلك. لأن الموقع الفعلي للعمل يقع بين النص والقارئ، إذ أن من الواضح أن تحقيق التفاعل هونتيجة للتفاعل بين الاثنين.

المراجع والمصادر :

◘ فولفغانغ إيزر - فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب في الأدب - ت: د. حميد لحمداني، د. الجلالي الكدية - مكتبة المناهل، فاس – ب ط.
◘ ضفاف ( مجلة إبداعية ثقافية ) – فبراير 2004، العدد: 6 – مؤسسة النخلة للكتاب.
◘ د. محمود عباس عبد الواحد - قراءة النص وجماليات، بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي ( دراسة مقارنة) - دار الفكر العربي، مدينة نصر - ط: الأولى 1996م.

◘ سعيد العلام – رواية: مدائن نون – دار أبي رقراق – ط: الأولى 2010.

---------------------------------------------------------
ملاحظة : منشور أيضا بـ : ديوان العرب.
---------------------------------------------------------

| اللغة العربية لغة بيولوجية ووجودية |



اللغة العربية لغة بيولوجية ووجودية ( مقال مميز )
بقلم الأستاذ : محمد إسماعيلي علوي 

لكل لغة خصائص ومميزات تميزها عن غيرها من اللغات البشرية اللأخرى. وعلى تعدد هذه الخصائص والمميزات تكون هذه اللغة أوقى وأدوم في تاريخ البشرية من تلك. والمتأمل في اللغة العربية يجدها لغة لها ما لا يتوفر في غيرها من اللغات العالمية الأخرى من ميزات تجعلها لغة مستمرة في الوجود الإنساني زمانا ومكانا. ولعل تميزها عن غيرها هو ما دفع عددا من الباحثين الغربيين إلى الاعتراف بجمالياتها وبخصائصها التي تجعل منها لغة إنسانية بامتياز.. لغة لم يعرف التاريخ البشري مثلا لها من قبل ولن يعرف مثلها في ما سيأتي من أيام. يقول المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس : "إنّ في الإسلام سنداً هامّاً للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة، كاللاتينية حيث انزوت تماماً بين جدران المعابد".

ومن تشريف الله لهذه اللغة أن خصّها بحمل كتابه وجمع معانيه إلى الناس أجمعين، وهي لعمري وظيفة تضفي إلى ما لها من جماليات جمالا آخر يخصها بنور الله لأنها اللغة التي تكلم بها الله وأنزل بها آخر كتابه للعالمين. ولكن هذه الخاصية (حمل رسالة الله لفظا ومعنى) تسقط الكثير من أبناء المسلمين وغيرهم في خطأ فادح ناتج عن جهل بحقيقة العربية. يتمثل الخطأ في الاعتقاد أن اللغة العربية لغة القرآن. وهذا غير صحيح. إنما هي لغة العرب نزل بها القرآن، وشتان بين التعبيرين وما ينتج عنهما من فهم واعتقاد. إن التعبير الأول (العربية لغة القرآن) يجنح بنا إلى الاعتقاد بأنها لغة دينية قرآنية، ومن ثم فهي خاصة مخصوصة. وعليه، ينحصر دورها في الدين الإسلامي فقط. أما دورها ومساهمتها في العلوم وصنوف المعرفة المختلفة فلا يؤخذ بعين الاعتبار. أما القول الثاني (العربية لغة العرب نزل بها القرآن) فهي الحقيقة التاريخية الصحيحة والتي تهتدي بنا إلى الاعتقاد الصحيح أيضا؛ إنها أسبق تاريخا من القرآن الكريم. قال تعالى: (إنما يسّرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدّا) (مريم، الآية: 97). وعليه، فهي لست لغة القرآن، وإنما لغة ازدادت تشريفا بالقرآن.

وعندما قلنا في العنوان إن العربية لغة بيولوجية فنحن نقصد ما تعنيه الكلمة من معنى. ولم نستعملها هنا تجاوزا ولا استعارة. وهي حقيقة يغفل عنها كثيرون. إن المتأمل في اللغة العربية خصوصا يجدها تحاكي الواقع البيولوجي للكائن البشري. ليس هذا فحسب، بل إنها تحاكي الواقع البيولوجي لكل الكائنات والمخلوقات في الوجود. وهي -لعمري – خاصية لا نجدها إلا في هذه اللغة الخالدة. إن طريقة توالد الكلمات في العربية تسي وفق معطى وجودي؛ إذ لكل شيء في هذا الكون جذر و(أصل) منه وعنه تتفرع (الفروع). ورغم أن الأصل ليس هو الفرع من حيث الشكل والجوهر والوظيفة، إلا أن الفرع لا يخرج عن دائرة الأصل، ويحمل – بالضرورة – جيناته الوراثية التي تكشف عن ذاك الأصل. هذا منطق كل المخلوقات في الوجود، منطق يجعل الفرع يخرج عن الأصل ويتفرّع عنه، وفي الآن نفسه لا يستطيع الفكاك من (أسره) فالفرع لابد أن يحمل من الخصائص الوراثية التي تربطه بالأصل وتكشف عن مصدره. ولا وجود لشيء في هذا العالم من المخلوقات يأتي من فراغ أو يتولّد من لا شيء. وهذا المنطق لا نجده ينطبق إلا على اللغة العربية وحدها، مما يجعلها بحق لغة إنسانية بامتياز، إنسانية في حياته وتوالد كلماتها ووتتابع أساليبها، وإنسانية في قدرتها على التعبير ومحاكاة الواقع الحقيقي والفعلي للمخلوق البشري. وإذا كانت قادرة على حمل معاني الله لفظا ومعنا – وهي المعاني السامية الربانية التي يعجز كل إنسان على ان يأتي بمثلها – أفلا تكون قادرة على مجاراة الإنسان في تعبيره عن كل شيء؟ وفي توظيفها في علومه وصنوف المعرفة المختلفة؟ بلى والله إنها لأقدر وأجدر أن تتبوأ المكانة السامية التي تليق بها؟

ولنضرب مثال بسيطا في العربية لنبين الحقيقة البيولوجية لهذه اللغة الوجودية بم يلي:

لكل لفظ في العربية أصل هو ما نتعارف عليه ب(الجذر)، فكلمات مثل (كَتَبَ) و(كاتَب) و(كِتاب) و(مكتبة) و(كُتّاب) و(مكتب) و(كتابة) و(كُتُبيّ) و(استكتب) و(كاتِب) ومكتوب) ترجع بالضرورة إلى أصل واحد هو الجذر (ك.ت.ب) الذي يدلّ في معناه العام على الكتابة وما له علاقة بالكتابة. لكن في الآن نفسه لا يمكن بأية صورة أن نقول إن (مكتبة) هي (كتاب) أو إن (كتَبَ) هي (كاتَب) ..الخ. إذ لكل مفردة استقلاليتها لفظا أو تركيبا ومعنى خاصا يميّزها عن غيرها من المفردات التي من نفس جذرها. وهذا ما لا نجده في اللغات الآخرى. ويكفي أن ندلّل على ذلك في الفرنسية حيث لا نجد كل المفردات تنتمي إلى أصل واحد وإن حملت المعنى العام نفسه؛ فالفعل (Ecrire) لا علاقة له بـ (Bibliothèque) أو بـ (Livre).

إن حياة الفرع رهينة بوجود الأصل، واستمرارية الأصل رهينة بوجود الفرع أو الفروع. وهي الطريقة ذاتها التي يحيا بها الإنسان في هذا الوجود؛ فالأبناء في كل أسرة من أصل واحد (أب وأم) وكل ابن - وإن كان يحمل الجينات الوراثية نفسها التي يحملها باقي إخوته والتي تنسبه بيولوجيا إلى أمه وأبيه – فإنه يختلف كيانا وشكلا وطريقة في التعبير والتصرف والكلام .. عن باقي إخوته. والأمر نفسه ينطبق على باقي الكائنات في هذا الوجود. فلابد لكل شيء من أصل (جذر)، ولا بد لكل أصل من فروع ضمانا لاستمرارية الحياة، ومن ثمة ضمانا لاستمرارية الوجود.

ولما كانت اللغة لصيقة بالإنسان وبهمومه ومشاكله ومشاعره وكل دواخله ودوافعه ورغباته وحاجاته، فإنّ العربية قدِّر لها أن تحاكي هذا الواقع محاكاة تامة لتكون أبلغ في التعبير وأدقّ في الافصاح عن مكنونات النفس ودواخلها.

وما دام الأمر على هذا النحو، فإن هذا المعطى يجعل من العربية لغة بيولوجية تتناسل وتتوالد لتضمن استمراريتها في الوجود ليس الإنساني فحسب، وإنما الوجود بمفهومه العام. ومن ثم، تكون لغةً وجودية يستحيل أن تموت أو تنفى إلا بفناء الإنسان الذي يتكلمها. ومادام القرآن الكريم آخر رسالة سماوية إلى الناس أجمعين إلى قيام الساعة، ومادام أيضا هو الكتاب الخالد الذي سيبقى دستورا لهم في حياتهم وشهيدا عليهم بعد مماته وقد أنزِل باللغة العربية، فلا شك أنّ هذا التشريف لهذه اللغة سيزيد من تمييزها عن غيرها من اللغات، ومن ثم، سيضمن استمراريتها في الوجود. أفلا تكون العربية – بعد كل هذا - لغة إنسانية بيولوجية وجودية تستحق كل التقدير والثناء والاعتناء والكفّ عن المحاولات البائسة اليائسة من أجل تقويضها أو محوها. إن من يفعل شيئا من هذا لهو أحمق لا يعرف حقيقة الوجود الذي يحيا فيه.

وإذا كانت اللسانيات قد ألغت مبدأ المفاضلة بين اللغات فهذا كان لإدخال كل اللغات الطبيعية في دائرة الدراسة والتحليل ليس إلا. ولا ينبغي أن يفهم منه على أنه لا وجود للغة أفضل من أخرى. فبئس الفهم إن كان كذلك. لكن بعد الدراسة والتحليل يستحيل ألا نفاضل بين اللغات. إن الدراسة اللسانية للغات إنما هي كشف عن الخصائص والميزات التي فيها والتي تجعل منها لغة تواصل يومي قادرة على التعبير والتفكير من خلالها وفيها وفي العالم ككل.

كما أن الدراسة اللسانية للغات الطبيعية إنما هي من أجل الكشف عن القوانين العامة التي تنظم التعبير اللغوي لدى الكائن البشري من أجل نظرية عامة وشاملة للغة وللتفكير الإنساني. وما دام هذا حال اللسانيات، فإننا نرى أنه من الخطأ بناء تصورات ونظريات عامة وشاملة بناء على لغات لا تستطيع أن تضمن الاستمرارية لنفسها، ولا يكاد يمضي زمن حتى تمّحي وتظهر لغة جديدة لم يألفها الناس من قبل. وعليه، تكون اللغة العربية – بامتياز – اللغة التي تستحق أن تكون منطلقا في الدراسات اللسانية لأنها اللغة البيولوجية الوجودية التي ضمنت لنفسها – بما لها من خصائص ذاتية، وبتشريف الله لها بحمل رسالته السماوية - الاستمرارية في الزمان والمكان، والقدرة على التعبير وحمل المعاني الإنسانية والربانية على السواء.

| التواصل غير اللفظي: من المفهوم إلى الوظيفة ـ د.عبد القادر محمدي |

توطئة: 

إن مقاربة انخراط الكائن البشري في عملية التواصل، سواء مع الآخر أو مع موضوعات العالم، وما تتطلبه هذه العملية التواصلية من انصهار وتفاعل للذات مع تجارب اليومي الممتدة في الزمان والمكان، قد حتم على الدرس السيميائي في خضم التطورات المعرفية الطارئة والمتلاحقة، توسيع جدول أعماله، ليطال لغات أخرى ينتظمها جدول أعمال خفي، يبطن عملية التواصل التي ليست دائما لفظية وصريحة، فقد تكون حركية وقد تكون إيمائية، وقد تكون وجدانية داخلية، تتمظهر أحيانا في بعض المشاعر أو السلوكات أو من خلال لعبة الأشكال والألوان والأنغام التي "تتكلم معنا، وتولد فينا إحساسات أو ذكريات")[i]( ما أن نعقد "بينها وبين السياق صلة فإنها ستبعث في الذهن أشياء أخرى، فتغدو علامات")[ii]( من بين أخرى، راسمة تمايز الإنسان وهويته وسط مسكنه البيولوجي والطبيعي، بخطوط وأصوات وأشكال وألوان ثقافية متعددة، مثل "الكلمات والسلوكات والوضعيات والإشارات ورنة الصوت وتعبيرات الوجه، و طريقة استعمال الزمان، والفضاء والمادة وطريقة العمل، واللعب، وممارسه الحب والدفاع عن الذات. كل هذه العناصر وغيرها، وليست هي وحدها تشكل نظما للتواصل التام حيث لا يمكن فهم الدلالة دون معرفة سلوك ما داخل سياقه التاريخي، و الاجتماعي الثقافي")[iii]( لقد شكلت مظاهر التواصل غير اللفظي إلى جانب اللغة، قناة تتداول رسائلها من مجتمع للآخر، الشيء الذي جعل مجموعة من الباحثين من تخصصات مختلفة، في أمريكا يحتفون بهذا النمط الأصيل من التواصل، وذلك منذ أواخر الخمسينات إلى حدود الآن، حيث تبلور عن هذا الاهتمام فرع معرفي قائم بذاته يدعى إثنوغرافيا التواصل، انطلق بدافع الرغبة في اكتشاف الطريقة التي تبني بها الشعوب تجاربها اليومية، عبر مقاربة تعبيرات كلامها في البداية ووصولا إلى تمديد مجالات البحث، بصهر مفاهيم علم النفس وعلم الاجتماع و اللسانيات و الأنطروبولوجيا في بوثقة واحدة، لتناول العلاقات التفاعلية في المجتمع المعاصر، اعتمادا على أطروحة مركزية بسيطة، تعتبر الحياة الاجتماعية مؤسسة على مجموعة من الشفرات و السنن المعقدة، تقف وراء الفعل وتوجهه، و تتوخى الإثنوغرافيا الكشف عن هذه الشفرات و السنن في تجسدها المباشر عبر التواصل اليومي بين "الكائن البشري كشخص يحتاج في نفس الوقت إلى العثور على هويته والمحافظة على اندماجه، الشيء الذي لا يتأتى تحقيقه إلا داخل التبادلات مع الآخرين، مع أولئك الذين وقع عليهم اختياره ")[iv]). إن التطور الذي هم مجالات اشتغال، إثنوغرافيا التواصل في أمريكا، فتح أفقا جديدا أمام مظاهر التواصل، تبوأت بفضله لغات أخرى مكانة متميزة، في وقت لم تكن تعطى الأهمية فيه للتواصل خارج منطوق اللغة، كالأقنعة والرقص والألوان والروائح, كلغات تكلمها الإنسان إلى جانب لغات أخرى غير لفظية. وهكذا، سوف تنطوي دراستنا في هذا المقال على نقطتين: ففي النقطة الأولى سأقف عند مفهوم التواصل غير اللفظي، أما النقطة الثانية فسأتناول من خلالها أهم وظائف هذه الصيغة الصامتة من التواصل. أولا - محاولة في تحديد المفهوم: شكل مفهوم التواصل غير اللفظي إحدى أهم أسئلة العلوم الإنسانية العميقة والغامضة بالنظر إلى كونه يخرج عن نطاق التواصل اللفظي المألوف عند البشر، الشيء الذي جعله عرضة لاصطلاحات متعددة، فتارة ينعت باللغة الصامتة وطورا بلغة الجسد، وفي بعض الأحيان بفعل الإشارة أو الحركة الخ . إن مصطلح " غير اللفظي " يكتنفه الغموض، حيث وصفه أحد الباحثين بكونه من " بين المصطلحات الأضعف تحديدا من بين تلك المتعلقة بالسيميائيات")[v](، مقارنة مع اللغة اللفظية التي تتأطر تداوليتها ضمن فعالية الشفاهة أو الكتابة على مستوى الإنتاج والصور السمعية أو القراءة على مستوى التلقي، وبناء على ذلك، هل يمكن الحديث عن الخصائص أو السمات المميزة العامة لهذا النمط من التواصل غير اللفظي ؟ لقد قدمت بشأن سؤلنا إجابات متعددة، بتعدد حقول الاشتغال من سيميائية وأنطروبولوجية وما إلى ذلك، ووسط ما راكمته هذه الحقول من تصورات في مبحث التواصل غير اللفظي، سأستحضر ما أراه على صلة بالتعبيرات الجسدية، ومختلف الأنساق الرمزية التي تشيد دينامكية طقوس اليومي العملية والأسطورية التي تخرق متواصل حياة الإنسان في الهنا والآن. وهكذا نجد الباحث الأنطروبولوجي "جاك كوراز" )[vi]( ينطلق في تحديده للخصائص العامة للتواصلات غير اللفظية بإقصاء النسق اللساني البشري اللفظي، إذ يعني بالتواصلات غير اللفظية مجموع وسائل التواصل الموجودة بين أفراد متعايشين لا يستعملون لغة بشرية أو إحدى مشتقاتها غير الصوتية )كتابة، لغة الصم البكم الخ (، وعلى هذا الأساس يطبق هذا المفهوم، على الإشارات، وعلى الوضعيات، وعلى اتجاهات الجسد، وعلى خصوصيات بدنية، طبيعية أو اصطناعية، وحسب تنظيمات الأشياء، وعلى روابط ذات مسافة بين الأفراد، حيث بفضلها يتم بث خبر ما، بلغة أخرى لا تتوقف عن مواصلة وظيفتها التواصلية التي "تلعب دورا أساسيا في التبادلات فيما بين الأفراد interpersonnels ما دامت تنقل نسبة 65 إلى70 في المائة من الخبر، وعليه، فالمسألة تتعلق بأخبار من طبيعة مختلفة )...( فاللغة اللفظية تستعمل من أجل نقل أخبار ومعارف، في الوقت الذي نجد اللغة غير اللفظية تعبر بالخصوص عن العلائقي " )[vii]( . ويذهب " إدوارد هال " أبعد من ذلك حينما اعتبر السلوك الصامت هو الأصل في حياة الإنسان ما دام يشكل نسبة 90 في المائة في عالم التواصل )[viii](، المرتبط بمجالات عديدة تشمل عموما الأنطربولوجيا والأخلاق والعادات والطقوس، ومختلف الانفعالات المرتبطة بعالم الأهواء، وبناء على ذلك يجمع الباحثون في حقل التواصل على أن مظاهر التواصل غير اللفظي تشمل "مجموع ما ينتمي إلى التجربة التي تستوطن الذات )الإيماءات واللباس وطريقة الجلوس واستقبال الضيف...( وتستوطن محيط هذه الذات أيضا )ما يعود إلى طريقة التعاطي مع الفضاء والزمان وأشكال العمران(" )[ix](، ولعل هذه المظاهر الصامتة من التواصل، تصب في جوهر أعمال "بيردويستيل" المتعلقة ب "الكينيزية" أو علم الحركة، وكذلك في جوهر أعمال "إدوارد هال " الخاصة ب "البروكسيميك" أو الإبلاغ الحيزي )[x]( ثانيا- وظائف التواصل غير اللفظي يلعب التواصل غير اللفظي، أدوارا ووظائف أساسية في حياة الإنسان، لا تقل أهمية عن تلك المتعلقة باللغة اللفظية، حيث يشكل دعامة الإنسان المادية الملتصقة بجسده، ووسيلته الأصيلة في الاحتكاك المباشر والبدئي مع ذاته ومع غيره، وباقي مختلف موضوعات العالم، إنه اللغة الأولى التي- تكلمها البشر بعفوية وتلقائية - سرعان ما انتظمت في أنحاء ومعاجم ذات طبيعة إشارية وسحرية تعبدية، تومئ وبغزارة عن مدى "انفجار الكائن في اتجاه الأصل المفقود من زمان الصوت بلا كلام ")[xi](. ومن رحم هذه اللغة الحسية الحميمة، انبثقت اللغة المتمفصلة وشيدت قانون تشكلها، وقواعد لعبها، وأملت هبتها ورسمت علاماتها في أذهان الناس، منذ زمان موغل في القدم، لكن رغم ذلك لم تفلح هذه اللغة اللفظية، من فك ارتباط الإنسان بلغة جسده الأم ما دمنا نجد "المواليد الجدد يبتدئون بمزامنة حركات جسدهم مع الكلام، كيفما كانت اللغة المستعملة")[xii](، فأي لغة إذن هي لغة الجسد ؟ ومن أين تستمد مكامن قوتها وضعفها ؟ وهل من قراءة ممكنة في سجلاتها ؟ وما سر تداول هذه اللغة الصامتة في ظل وجود لغة متمفصلة شائعة وذائعة الصيت ؟ لعل هذه الأسئلة وغيرها، تضمر قصور وإخفاق كفاءة اللفظ الأفقية المحدودة، في مجاراة أبعاد وفعاليات رموز عميقة، تطفو على مسرح الوجود الإنساني شلالا، تفيض علاماته – غير اللفظية - بحياة أخرى دون ما تحفظ، إذ لطالما عجزت هذه اللغة في تكييف وتطويع منطوقها، لترجمة هذه الحالات والوضعيات التعبيرية من هذه التجربة الإنسانية التي " تشكل جزءا مكملا للشخصية وللمجتمع نفسه وتتجذر حتى في طريقة العيش سواء تعلق الأمر برجل أو امرأة. وبدون هذه النظم الدقيقة غير المدونة والتي تنظم التنوع العجيب لمصادفات المعيش اليومي، فإن الإنسان لن يغدو إلا مجرد آلة")[xiii](. على خلفيات هذا الحضور القوي إذن، للتواصل غير اللفظي في حياة الإنسان، اقترح " بيترسون " Patterson التمييز بين خمس وظائف )[xiv]( : نقل الأخبار تنظيم وضبط التفاعل التعبير عن الحميمية التعبير عن الرقابة الاجتماعية تيسير المصلحة المهنية وكل وظيفة من بين هذه الوظائف قابلة لتوظيف ، حسب وضعيات متنوعة، مختلف قنوات التواصل التي سأقف عند بعض وظائفها بتفصيل لاحقا. ويميز "بيردويستل " بين نمطين من التواصل لكل واحد منهما وظيفته الخاصة، فحين يكون التواصل واضحا وعقلانيا، فإن وظيفته تقف عند حدود الإخبار، وعندما يكون ضمنيا و لاشعوريا، آنذاك يعم الصمت وتتكفل لغة الجسد بأداء وظائف تواصلية، عبرها تتسرب لغة الأحاسيس والسلوكات التي تتمسرح خارج نطاق تغطية لغة الشعور والمنطق والعقل، وبناء على ذلك تنقلب "العلاقة حقيقة\كذب vérité/mensonge، حيث التعبير غير اللفظي هو الأكثر صدقا وأصالة من اللفظي")[xv](، وتتجلى هذه العلاقة بشكل قوي في لغة الرقص، حيث ينسج الراقص حوارا تعبيريا مع جسده، قد يفشي أسرار عمقه الإنساني بتلقائية قل نظيرها، تعود بنا "إلى جذور الحياة، التي ليست من الضروري نعمة أو جمالا، أو غير مكلفة، ولكن قبل ذلك صراخ، وتنفس، وانتعاظ (ذروة النشوة الجنسية( وتجذير")[xvi]( الشيء الذي يلغى معه قانون الرقابة الذي يعيد تركيب الأفكار والكلمات، وفق سيناريوهات سابقة التحديد. ونظرا للدور التواصلي الذي تضطلع به لغة الجسد، فقد خصص لها "بيردويستيل" دراسة مستقلة تعرف ب "الكينيزية" la kinésique موضوعها هو "دراسة المظاهر التواصلية للحركات الجسدية "المتعلمة" appris و"المبنينة" structurés")[xvii]( والتي تتوفر على نفس قواعد اللغة، الشيء الذي جعل "بيردويستيل" يستنبط من اللسانيات ثلاثة أدوات إجرائية، ويتعلق الأمر بالقاعدة والسنن والسياق، حيث وظفها في تحليل الأنظمة التحتية للتواصل، ومن هذا المنطلق فإن " إنتاج وفهم الدلالة الاجتماعية لحركة جسدية ما يعتمد على فهم السنن بنفس الدرجة التي يعتمد بها فهم السياق المحدد لإمكانيات فهم هذا السنن")[xviii](. ومن زاوية أخرى استلهم "إدوارد هال" مبادئ اللسانيات والتحليل النفسي، في إنتاج دراسات تتعلق ببعد آخر من أبعاد التواصل غير اللفظي، أطلق عليه "مصطلح" الثقافة التحتية "للإشارة للسلوك المتميز لمستويات التنظيم الكامنة تحت سطح الثقافة")[xix]( التي يندرج ضمنها مبحث "الإبلاغ الحيزي" la proxémique الذي يعنى بدراسة إدراك الإنسان للفضاء ليس كبعد فزيقي أو مقياس هندسي، بل "تمكن هذه الفضاءات التي يشكلها الإنسان من معرفة الكيفية التي توظف بها مختلف الشعوب حواسها")[xx]( الخمس )البصرية، اللمسية، الشمية، السمعية، والذوقية(، حيث يرى "هال" أن جهاز الاستقبال عند الإنسان يتشكل من قسمين يمكن تصنيفهما في ما يلي: )[xxi]( حواس "الاستقبال عن بعد"، التي ترتبط باكتشاف الأشياء البعيدة وهي العين و الأذن والأنف . حواس "الاستقبال المباشر"، وتوظف في اكتشاف العالم القريب عبر اللمس. وعلى هذا الأساس يضطلع كل فضاء حسي، بوظائف وأدوار خاصة في أنطروبولوجية "هال"، وسأقف عند تلك التي تتميز بحضور صامت، أي تلك التي يتكلمها الإنسان، خلال ممارسة شعائره، و طقوس احتفالاته، حيث تهيمن لغة الرائحة، وتتداخل مع لغة اللون، التي تخاطب العين بسحر الأسطورة والرمز، هذا فضلا عن لغة اللمس، الموغلة في عمق ممارسات الكائن الأسطورية. ·- الفضاء الشمي تثير الروائح بعمق الذكريات، أكثر مما تثيرها الصورة والصوت، وتلعب أدوارا ووظائف متعددة نجد من بينها : )[xxii]( × التمييز بين الأفراد والتعرف على حالاتهم العاطفية × تساعد الحيوان على تحديد أماكن القوت وعلى اكتشاف القطيع في حالة الضلال × تمكن من تحديد مؤسسة المنطقة × تمكن من خداع حضور العدو × توظف كوسيلة للدفاع × توظف في إثارة الغريزة الجنسية و يوظف الإنسان حاسة الشم في أداء عدة أدوار، وثيقة الصلة بالأسطوري السحري والطقوسي الديني كما هو الشأن في طقوس جماعة "كناوة" بالمغرب وجماعة "الستانبلي" بتونس وجماعة "ديوان سيدي بلال" بالجزائر وجماعة "الزار" بمصر حيث تعتمد هذه الجماعات الطقوسية على روائح البخور في بث رسائل متعددة إلى كل مريديها، هذا فضلا عن استخدام واستثمار قوة الرائحة في وظائف أخرى، في حضارة الشرق وحوض البحر الأبيض المتوسط، حيث نجد الشم يزيح النظر ويتفوق عليه عند العرب الذين " يدركون بالفعل تعالقا ما بين طبع ومزاج شخص ما ورائحته، إذ نجد خطابات الزواج عند العرب يبدين احتياطات كبيرة لضمان زواج متكافئ، ويمكن بالمناسبة أن يلجأن إلى طلب شم الفتاة، وإذا " لم تكن رائحتها طيبة " يرفضنها ليس على أساس معايير جمالية، وإنما نتيجة شمهن لرائحة الغضب أو عدم الرضا " )[xxiii]( . و إضافة إلى ما سبق فإن لحاسة الشم، عند الإنسان ذاكرة نشيطة وقوية، تختزن من الروائح ما يجعلها الأكثر إثارة لترسبات تقطن في أعماق الكائن، ذات صلة بالمتخيل والواقع، فالرائحة مدونة كيميائية علائقية، ترتبط الذات عبرها بأحوال ومشاعر وأهواء، قد توحي بالفرح كما بالحزن وبالألم كما بالحنين...، وتحل الذات عبر هذا السجيل الكيميائي، في فضاءات غير آبهة ببعد المسافة ولا بالزمان الغائر في الماضي، مشيدة جسر عبور نحو عوالم وأمكنة، قد تكون على صلة بأصول وجذور مفقودة لكائن ما ، أو حالة اغتراب ومنفى، وأشياء أخرى لا تهمل الرائحة مخاطبيها في بث رسائلها صوب ذاكراتهم . والروائح هي كذلك في مدننا العتيقة، بمثابة علامات مفردة تقود إلى مصادر انبعاثها، مثل علامات الطريق، إذ تتميز أغلب فضاءات دروبها الضيقة برائحة معينة، فيكفي أن نسير على هدي رائحة العطور بمدينة فاس المغربية، حتى يجد المرء نفسه في حي العطارين حيث تتم صناعة وبيع مختلف العطور وكذا النبتات العطرية، ويكفي المتجول ليلا في دروب المدن المغربية العتيقة، كسلا أو مكناس أو الصويرة أو مراكش، أن يستنشق إحدى روائح البخور الموظفة في طقوس جماعة كناوة، ويتجه صوب فضاءات انبعاثها، ليجد نفسه في حضرة طقوس" ليلة كناوية "، ويطال حضور هذه العلامات الشمية أيضا المدن الحديثة إذ "في مدينة فرنسية يستطيع المرء استنشاق رائحة القهوة والتوابل والخضر والطيور المريشة والغسيل فضلا عن الرائحة المتميزة لأرصفة المقهى، إن الاحساسات الشمية من هذا النوع تساهم في خلق شعور بالحياة، فالمرور من رائحة لأخرى لا يساعد على تحديد مصادرها بالنسبة للسكان فقط بل يزيد كذلك في إثارة الحياة اليومية ")[xxiv]) . · - الفضاء البصري تشكل حاسة البصر دعامة أساسية في تواصل الإنسان مع محيطه حيث " يعد البصر داخل نظام الحواس أكثر مادية من السمع، وهو، كذلك، أكثر قيمة على مستوى العقل")[xxv](، وتعد العين الكيان البيولوجي الذي تتدفق من تشكلا ته، وأنماط تمظهرات إشاراته الثقافية، رسائل طافحة بتعبيرات وأهواء لا ينضب معينها الدلالي، إذ " يمكن كذلك، لنظرة ما أن توبخ، أو تشجع، أو تسيطر، كما أن حجم المقلتين يمكن أن يدل على الاهتمام أو على النفور " )[xxvi]( . ومن هنا يشيد سنن النظر نمط تواصل، تتمفصل وظيفة لغته الصامتة، بين أدوار انتباهية وإدراكية عملية، وأخرى أهوائية أسطورية، سأكتفي بالإشارة لبعضها . § - وظيفة النظر الانتباهية العملية : يؤدي النظر وظيفة أساسية في عملية إدراك العالم، لدى الإنسان ، وفهم طبيعة أشيائه و أشكاله و ألوانه، ومن هنا تكون عملية " فتح العينين هي طقس انفتاح على المعرفة، وطقس تعليمي " )[xxvii](، عبره تتجلى مختلف مظاهر السيطرة و الاستئساد، والظهور بمظهر القوة والغلبة، وكل هذا يمر بطريقة عمودية من السماء إلى الأرض، في حالة اتجاه النظر صوب مظاهر الطبيعة الظاهرة والخفية، ومن أعلى السلم التراتبي الاجتماعي إلى أسفله، كما هو حال نظرات الأب مع ابنه ، والمعلم مع متعلميه والرجل مع المرأة والجلاد مع السجين، و السيد مع عبيده والراعي مع راعيته الخ . غير أن العين لا تقف عند حدود التلقي الساذج، للأشياء والمواضيع التي تخرق متواصل نظراتها، بل تؤلف علاقات وتنسج روابط ما تفتأ تتطور وتمتد نحو آفاق مشرعة على كل احتمالات مشاعر الذات السرية، فنظرة هادئة وحالمة قد تكون مبعث جذب و إثارة، ونسيج تقارب قيد التشكل بين مرسلها ومتلقيها، وعين دامعة قد تكون رسالة ألم افتقاد حبيب أو قريب، كما قد تعبر عن الفرح والحنين، وعين متسعة حدقتها تشي بتملك الخوف لكائن بشري ما وتلك لغة الأهواء والرغائب . §- وظيفة النظر الأهوائية والإيروتيكية : تعبر نظرات الحب أو الإعجاب، عن إثارة الانجذاب والميل الإيروسي حيث أن " سلطة الجذب الخاصة بالنظر تمارس في عدة مجالات وخصوصا ضمن الإطار العام للجذب العاطفي، وعلى الأخص ما يتعلق بالجنسية sexualité " )[xxviii] (، وهكذا توحدت لغة النظرة مع لغة الرغبة و الاشتهاء في ثقافة شعوب متعددة، وأمس الحديث عن توحد المرأة مع زوجها عبر العينين مثلما يتم بواسطة الجنس، لغة شائعة عند قبائل "البامبارا " بمالي فالنظرة عندها " هي الرغبة، والعين هي الاشتهاء، وفي الأخير عالم الإنسان هو عينه " )[xxix]( التي عبر قناتها عبر الإنسان نحو عوالم وتمثلات مليئة بالأسطورة والسحر، تخالف رؤى اليومي العادية والمطمئنة لنظراتها . §- وظيفة النظر الأسطورية والسحرية : لقد أسندت معظم الثقافات الإنسانية للعين، وظائف سحرية وأسطورية متعددة، لم تعد معها حاسة البصر قناة استقبال سلبي للأشياء، بقدر ما أصبحت أداة فاعلة ومنتجة لرسائل، تحوم حول مضامينها الاتهامات، إذ ظل الاعتقاد بخطورتها وشرها راسخا، في تمثلات شعوب كثيرة، الشيء الذي جعلهم ينعتون العين بسلسلة من الصفات السلبية، فهناك العين الساحرة، والقاتلة، والحاسدة، والقبيحة، والشريرة الخ، إنها تترصد الأطفال والعرسان الجدد، وقد يصل صدى شرها إلى المحاصيل الزراعية . وأمام هذه المخاطر السالفة وغيرها، تولدت الحاجة عند الإنسان لاتقاء شرها، بابتكاره لعدة أشكال ورموز وممارسته لعدة طقوس، تعمل كميكانيزمات دفاع تجاه ما يصدر عن العين الشريرة، إذ تلجأ الأمهات إلى وضع التمائم في أعناق أطفالهن، كما يلجأ الفلاحون لتعليق نفس التمائم على جباه حيواناتهم، كما نجد ظاهرة وضع رمز الكف على الأبواب الخارجية، ظاهرة شبه كونية حيث هذا الرمز " عرف تحت أسماء متعددة : " يد الرب " و " يد الإله بعل " في المسلات الفينيقية والقرطاجية و " يد مريم " عند الأوروبيين " كف فاطمة " في الشمال الإفريقي وبلاد المغرب، وعرف بكف عائشة أيضا . و " كف مفتوحة " و "كف العباس " و " خمسة وخميسة " عند الشرقيين العرب وبعض المغاربة، و " المربعة " في تونس " )[xxx](، كما تحفل الرسوم الشعبية بصورة الكف والعين المخترقة بالسهم للحد من نظرتها الحاسدة، و " صاحب هذه النظرة الشريرة يلقب ب " معيان أو عائن " )[xxxi]( في الثقافة العربية الشعبية . ولعل هذا الاعتقاد الدفاعي تجاه مخاطر العين الشريرة، قد انعكس على تشكيل فضاء معمار الإنسان العربي، كما يلاحظ ذلك في أغلب الدور العتيقة لمدننا العربية القديمة من المحيط إلى الخليج ، حيث النوافذ التي تنفذ عبرها النظرة من وإلى العالم الخارجي شبه منعدمة، تغدو معها أسوار هذه المدن والدور بداخلها، عمياء لا تحيل إلا على داخل محيط أسوارها كمصدر للحماية والطمأنينة، فقط وحدها نوافذ وسط أسطح المنازل هي التي تمكن من تسرب الضوء إلى داخل المنزل، وبالتالي تمكن النظرة من النفاذ إلى السماء مصدر الخير والنور والسمو الخ . كل هذه التمثلات والاعتقادات، الأسطورية والسحرية التي أنيطت بالعين في مختلف الثقافات الإنسانية، تنم عن كون العين هي أم الحواس التي تتطلب دراسة انطربولوجية مستفيضة، لا يتسع مجال هذه المقالة للخوض في تفاصيلها . - وظيفة الحاسة اللمسية : تعتبر حاسة اللمس أول وسيط تواصلي، اعتمده الإنسان في عملية التمييز بين مختلف المثيرات الحسية، إذ عبر الملامسة يتم إدراك العالم الخارجي بشكل مباشر، غير أن حضور هذه القناة اللمسية " التي تستعمل كثيرا في بداية الحياة، لم تعد تتواجد فيما بعد، وخاصة في ثقافتنا ، إلا من أجل الاتصالات العاطفية أو الجنسية " )[xxxii] (، إن هذا التراجع الملموس لأدوار اللمس، لا يعني فتور وفقدان نشاط هذه الحاسة، في سياقات ثقافية أخرى، حيث نجدها في ثقافة آسيا وإفريقيا، حاضرة في مختلف الممارسات اليومية البسيطة، فاللمس والمصافحة والعناق والقبلات من آداب طقوس التحية فيما بين الأفراد، كما يتم توظيف اللمس في الطلب والتوسل والتبرك بالأولياء، هذا فضلا عن سنه كشعيرة في رقصات بعض الطوائف الطقوسية المغربية، كما هو الشأن عند " عيساوة " " حمادشة " كناوة"، حيث يؤدي الراقص رقصاته حافي القادمين إذ " على المستوى الفيسيولوجي، يضاعف توظيف الرجل حافية الحساسية اللمسية، والمحلية، والمعممة " )[xxxiii]( . ويوظف هذا الوسيط التواصلي، في شراء وانتقاء الأشياء، فظاهرة لمس الخضر قبل شرائها، عادة شائعة في أسواقنا العربية المحلية الشعبية، كما تؤدي هذه الحاسة وظائف أسطورية سحرية وعلاجية، و تجدر الإشارة إلى أن ثقافتنا تمدد حاسة اللمس، لتطال تحرك الناس في مختلف الفضاءات المكتظة، حيث يسود الاحتكاك، في الأسواق والمواسم والاحتفالات والأعياد، وهذا يغيب في الثقافة الغربية - أي ثقافة الإحتكاك – التي يوجه لها الأميركيون صك اتهام فحواه " إثارة مشاعر جنسية أو عدوانية " تهدد حدود الكائن النفسية والمادية، وهذا يعاقب عليه قانون هذا البلد. وهكذا نجد " اللمس من بين كل حواسنا، هو الأكثر تجربة شخصية، إذ تعد بالنسبة للكثير من الناس أهم اللحظات الحميمية في الحياة هي تلك التي على صلة بتغيرات نسيج البشرة، إن المقاومة ضد اللمس المزعج الذي يشد الجلد مثل سلاح، والأنسجة المثيرة والدائمة التغير للبشرة خلال الممارسة الجنسية ونعومة ملمس الإشباع الذي يتبعها: كلها رسائل من جسد لآخر والتي تتضمن معنى كونيا " )[xxxiv] (، يضفي على هذه الحاسة صفة الملازم الحسي الأصيل الذي يولد ويتطور مع الإنسان، ويرافقه في رحلة اكتشاف ذاته والآخر، إنه الوسيط الذي حول الإنسان من كائن بيولوجي إلى كائن سيميولوجي، يميز بين اللمسة الباردة والحارقة، الناعمة والخشنة، الحميمة و الأسطورية الخ . خلاصة لقد شكل التواصل غير اللفظي جوهر الأبحاث الأكاديمية والعلمية، منذ فجر الخمسينات، أي ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى يومنا هذا حيث ينم هذا الاهتمام عن مدى تعقد، هذه الصيغة التواصلية الإنسانية، المتوسلة بسنن خفي وصامت تسنده الثقافة، في تحريك بنياتها وبث رسائلها التي تتطلب مجهودا، في عملية تفكيك هذا السنن وإدراك وظائفه التواصلية، وأبعاده الخفية وإيحاءات معانيه المتعددة التي تستوطن إخراج المشهد الثقافي اليومي العملية والأسطورية. الهوامش:

[i] -Pinok et Mato, expression corporelle mouvement et pensée 5° édition Paris librairie philosophique 1979 P22. [ii]- Perce C. S Ecrits sur Le signe traduit par G. Delledale, seuil, Paris ,1978. P51 [iii] - Edward. T. Hall, Au-delà de la culture, éd du seuil,1979, P 48 [iv] - Pierre Vayer, Charles Roncin, le corps et les communications humaines , éd Vigot , 1986, p, 105 [v] - Jacques Corraze, Les communication non verbales, PUF, Paris, 1980, P, 15 [vi] - نفسه، ص، 15/16 [vii] - Le corps et les communication humaines, op cit, P, 15 [viii] - إدوارد هول، رقصة الحياة، ترجمة نظمي لوقا، دار الكتاب ، القاهرة، 1987 ص، 8 [ix] - سعيد بنكراد ، استراتيجيات التواصل من اللفظ إلى الإيماءة، مجلة علامات ع 21 – 2004، ص14 [x] - اعتمدت نفس الترجمة التي تبنتها مجلة علامات المغربية لمصطلح (proxémique) أي الإبلاغ الحيزي، وتجدر الإشارة إلى أن هناك من يترجم هذا المصطلح ب" الإقترابية " وكذلك ب " البونية " [xi] - Paul Zumthor, Introduction à la poésie orale, éd, Seuil,1983, P, 13 [xii] - Edward. T. Hall, Au-delà de la culture, op CIT, P, 74 [xiii] - Jacques Corraze ( 1980) op cit , P, 97 [xiv]- نفسه، ص، 83 [xv] -- Yves Winkin, Anthropologie de la communication, de la théorie au terrain, De Boeck université, 1996.P 66. [xvi] - Pinok et Matho, Expression corporelle mouvement et pensée 5° édition Paris, 1979, P10 [xvii] - Eves Winkin,(1996), P67 [xviii] - Birdwhistell (1974, 219) in Eves Winkin ( 1996) op, cit, P 70 [xix] - Edward. T. Hall, La dimension cachée, éd, Seuil, 1971, P, 129 [xx]- نفسه، ص، 15 [xxi] - نفسه، ص، 62 [xxii] - انظر، ص، 67 من المرجع السابق [xxiii] - نفسه، ص، 70 [xxiv] - نفسه، ص، 71 [xxv] - Florisonne .M, Esthétique et mystique, éd, Sueil, 1956, P139 [xxvi] - Edward. T. Hall, La dimension cachée, opcit , P, 88 [xxvii] -Dictionnaire des symbole , éd, revue et augmentée, 2000, Paris P, 687 [xxviii] - Jacques Corraze, Les communications, non- verbales, op.cit., P, 108 [xxix] - Dictionnaire des symboles, op.cit., P, 689 [xxx] - أكرم قانصو، التصوير الشعبي العربي، عالم المعرفة، عدد 203 نوا نبر 1995 الكويت ص 104 [xxxi] - نفسه ص 105، ولملاحظة رسم الكف والعين عند الرسام العربي الشعبي، انظر اللوحة 43 من ملحق الصور واللوحات بنفس المرجع ص 240 [xxxii] - Jacques Corraze, Les communications, non- verbales, op.cit., P, 63 [xxxiii] - Jacqueline Robinson, Eléments du langage chorégraphique, éd, vigot Paris 1981, P 210 [xxxiv] - Edward. T. Hall, La dimension cachée op.cit., P, 85