| بلاغة الخطاب و علم النص |

بلاغة الخطاب و علم النص يتكون هذا الكتاب (بلاغة الخطاب وعلم النص)* من خمسة أبواب يحوي كل منها عدة فصول تشكل محتوى الكتاب. وهذه الأبواب هي:
الباب الأول: تحول الأنساق المعرفية الباب الثاني: بلاغة الخطابالباب الثالث: الأشكال البلاغيةالباب الرابع: نحو علم النص الباب الخامس: تحليل النص السرديحيث جعل الكاتب كل باب من هذه الأبواب تمهيدا للباب اللاحق، وأساسا نظريا لا بد منه حتى تكون صورة بلاغة الخطاب جلية بعد تتبع عمليات تحولها.
الباب الأول : الأنساق المعرفية
ربط مفهوم النسق المعرفي في الفكر الحديث بالبحوث التي قدمتها دراسة الأطر الاجتماعية للمعرفة، وتأسيس هذا المفهوم في بحث الظواهر البلاغية والأدبية ضروري لمتابعة التحولات التي تفرض على الباحث اتخاذ موقف منهجي في التعامل مع المادة التي يدرسها. ومن هنا فإن بلاغة الخطاب لا تقع في منطقة فلسفة العلوم بل تدور في فلك علوم الاتصال التي تخضع لمنطق استدلالي علمي. وبالتالي فإن المقولات والوحدات والمستويات الداخلة في نظريات البلاغة والسرد تختلف عن تلك التي تستخدم في النحو والدلالة والتحليل التداولي للغات الطبيعية. ولاحظ الباحثون في الغرب أن القدر الأوفر من الدراسات الهامة المتعلقة بالخطاب قد أجري خارج نطاق علم اللغة، خاصة في علوم مثل: الأنثروبولوجيا والاجتماع، بالإضافة للبلاغة الجديدة والشعرية. ونشأ علم هام يسمى ( إثنوجرافيا الكلام ) حيث تدرس الأنماط المختلفة للخطابات المستعملة في الثقافات العديدة مثل: القص واللغز واللعب بالكلمات والسباب وغيرها من أساليب السرد والأسطورة. وهكذا، فإن نظرية الخطاب اللغوية تقوم بوظيفتها كأساس ملائم لدراسة الوظائف والأبنية المحددة. فعلى سبيل المثال ينبغي أن ترتبط مقولات السرد ووحداته بشكل واضح بمستوى الدلالة الكبرى للخطاب، وبالطريقة نفسها؛ فإن بعض العمليات الأسلوبية الأدبية تتمثل على وجه التحديد في تغيير قواعد الترابط والتماسك وشروطها العامة للنص الأدبي. وقد قسم صلاح فضل هذا الباب إلى الفصول التالية ليتلاءم مع معطياته. وهذه الفصول هي:
الفصل الأول: نظرية اللغة
نظرا لأن الخطاب النصي يتشكل من أبنية لغوية فإن أي مقاربة علمية ينبغي أن تتأسس على اللغة . ناهيك أن نظرية اللغة تقع في ذروة النسق المعرفي المتصل بالبلاغة والأدب. وأهم ما ناقشه صلاح فضل في هذا الفصل عدد من النظريات أهمها نظرية ( دي سوسير ) التي تشكل بلاغة الخطاب الجديدة بوصفها نسقا من العلامات غير السببية كل شيء فيه علاقة وتخالف. ومن ثم تشكلت فكرة التوليد البلاغي التي تقوم على أن للكلمات قدرة - مهما جمدت معاني الألفاظ في المعاجم - على خلق معان جديدة ، لتصبح اللفظة عنده سياقية. ثم يتحدث عن التداولية اللغوية التي من شأنها تقريب المرء من الوصف النحوي للنصوص. علما بأن التداولية ذات طبيعة ( عبر تخصصية ) أي تغذيه جملة من العلوم أهمها: الفلسفة، وعلم النفس، وعلم اللغة، والاجتماع. 
الفصل الثاني: علم النفس 
يتقاطع علم النص مع علم النفس، ذلك أن علم النفس يشرح طبيعة العمليات اللغوية وآليات إنتاجها وتلقيها، كل ذلك يمثل تأسيسا علميا لبحث المتغيرات التي أدت إلى نشوء البلاغة الجديدة وعلم النص. ومن الأمور التي تتميز في هذا القسم حديثه عن مبدأ التداعي النفسي الذي يشرح عددا من عمليات التحليل البلاغي . وما يهمنا منها هو التداعيات التجاورية والتشابهية على مستوى المعنى التي تحدد الكناية والاستعارة. ومن ذلك دراستهم لفكرة التحول التي هي اسم آخر للاستعارة حيث قاموا بدراسة هذه التحولات وأعراضها.
الفصل الثالث: علم الجمال
إن التأملات الفلسفية في الظواهر الأدبية ، وعلاقتها بالفنون الأخرى هي التي أدت إلى مولد علم الجمال. وفي علم الجمال ليس هناك شكل مجازي ، وكل شيء حقيقة؛ ومن هنا يوجد الجمال ؛ إذ إن الجمال ليس سوى القيمة المحددة للتعبير، ومن ثم فإن العبارة المجازية إن كانت جميلة فلا بد أن تكون حقيقة. وعلاقة علم الجمال ببلاغة الخطاب أن علم الجمال هو الذي أسس نظريات مثل: القراءة والتلقي المساندة لبلاغة الخطاب مما يقدم دعامة فلسفية تقترن بالبحوث النصية المحددة للغة الأدب في مستوياتها المتعددة. 
الفصل الرابع: الشعرية
من أبرز نتائج الجمالية الرومانسية لنظرية الشعرية هي القول بوحدة الشكل والمضمون، بامتزاج المادي والروحي لتأكيد وحدة الأضداد. ونجد مثلا ، أن مختلف الأشكال البلاغية تقوم بوظيفة العضو الذي يخدم العمل الفني سواء أكان شعرا أم نثرا. وكيفية الدلالة الفنية إنما هي تأويل العام والخاص، مما يحيلنا إلى علاقة الدال والمدلول ، فالشعر لا يدمر اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها على مستوى أعلى. فيتم فك البنية التي يقوم بها الشكل البلاغي لتحدث عملية إعادة بنية أخرى في نظام جديد ، وبجمع هاتين البنيتين نصل إلى نظرية للأشكال البلاغية. 
الباب الثاني:بلاغة الخطاب
الفصل الأول: الاتجاهات الجديدة
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن البلاغة الجديدة وأنها وجدت عام 1958م في كتاب ( بيريلمان) ( مقال في البرهان : البلاغة الجديدة). ثم يتحدث عن أنماط واتجاهات من البلاغة من مثل : 
1- بلاغة البرهان ذات الطابع العقلي المنطقي وعلاقتها بالخطاب أن الخطاب نتيجة لواقع، ومن خلال مجموعة التقنيات التي تؤدي إلى تفادي إثارة الانفصام بين الشكل والمضمون، وتضمن عدم إمكانيته. 
2- البلاغة البنيوية العامة: يتميز بعدد من السمات أهمها: قطيعته مع التقاليد البلاغية القديمة، وغلبة الطابع اللاتاريخي عليه، وارتباطه بالتجربة الشكلية ، واتخاذ مبادئها وسيلة لإضفاء الطابع العلمي.ويعد علم الدلالة البنيوي من أهم الأساليب التي توصلت إليها البلاغة البنيوية لتعد ثورة على الأشكال البلاغية القديمة من استعارة وكناية ومجاز . . . إلخ. 
3- التحليل التداولي للخطاب: تحدد علاقة البلاغة بالتداولية من خلال تعريف مجال كل منهما ، فالبلاغة تداولية لأنها ممارسة الاتصال بين المتكلم والسامع بحيث يحلان إشكالية علاقتهما. وما يهم بالتحليل التداولي هو الخطاب وفاعله. فالخطاب - تبعا لذلك - نمط من الإنتاج الدال كان يسمى البلاغة من قبل، وهو الآن بما تراه من تحول معرفي أسهمت فيه البحوث السيميولوجية يسمى علم النص.
الفصل الثاني: من القاعدة إلى الظاهرة
يتحدث صلاح فضل عن انتقال البلاغة من المعيارية إلى الوصفية وأن ذلك لا يتتبع النموذج العلمي المعترف به في الدراسات الإنسانية فحسب، وإنما يتبع أيضا نوعا من الضرورة المعرفية التي تتسق مع طبيعة التحول. 
الباب الثالث: الأشكال البلاغية
الفصل الأول: بنية الشكل البلاغي 
تعمد الإجراءات التي تتخذها بلاغة الخطاب ويتبناها علم النص إلى تجديد المصطلحات المتداولة في التحليل مع الإشارة إلى علاقتها بالمصطلحات السابقة، ويهتم هنا بمفهوم البنية ؛ فالمجاز دال له مدلولان: أحدهما أولي. والثاني، مجازي. والشكل البلاغي يفترض مدلولا يمكن أن يشار إليه بدالين أحدهما حقيقي والآخر تصويري. وعند البلاغيين الجدد أن الاستعارة هي الشكل البلاغي (الأم) الذي تتفرع منه وتقاس عليه بقية الأشكال حتى أطلق بعضهم على هذا الاتجاه البنيوي في التحليل البلاغي للخطاب اسم البلاغة المختصرة؛ لاقتصارها على الاستعارة باعتبارها بؤرة للمجاز. 
الفصل الثاني: إعادة رسم الخرائط 
يعنى بالخرائط منظومة الأبنية البلاغية الصالحة لتغطية الأبنية النصية، ورصد أشكالها بما يشمل فضاءها الإبداعي ؛ فبلاغة الخطاب التي تنحو إلى تكوين علم النص لا تستطيع الاعتماد على الخرائط القديمة. ومن الأشكال الجديدة التي تدعو إليها البلاغة الجديدة: الصورة، والرمز، والتخييل. ويقيم صلاح فضل علاقة بين علم الأسلوب والبلاغة الجديدة فهما يتكاملان ويستقل كل منهما بميدانه، فالأسلوبية تركز على المجال التطبيقي المحدد، والبلاغة على الجانب النظري المجرد ، ثم تنحل هذه العلاقة في مستوى أشمل هو علم النص. 
الباب الرابع : نحو علم النص 
 الفصل الأول: النص وعلمه 
يعد النص جهازا عبر لغوي يعيد توزيع نظام اللغة بكشف العلاقة بين الكلمات التواصلية مشيرا إلى بيانات مباشرة تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السابقة والمتزامنة معها. وهكذا فإن النص يمثل عملية إنتاجية عن طريق تفكيك اللغة وإعادة بنائها ، ويمثل عملية استبدال من نصوص أخرى، أي تناص. وهناك سمة أساسية أخرى للنص الأدبي شغلت الباحثين البنيويين ومن يهتم من التفكيكيين بالأدب، وهي علاقة النص بالكتابة، وارتباطهما معا بمصطلح الخطاب، بحيث يعد الخطاب من هذا المنظور حالة وسيطة تقوم ما بين اللغة والكلام. وهذه السمة ذات أهمية خاصة في عمليات الفهم والتأويل؛ أي في عمليات إنتاج النصوص وإعادة إنتاجها مرة أخرى.
الفصل الثاني : علم النص 
إن تحول البلاغة الجديدة في الواقع إلى علم النص يرتبط بمدى قدرة البلاغة في الثقافات المختلفة على إبداع نموذج جديد لتكوين الخطاب بكل أنماطه. دون الاقتصار على نوع واحد منه، كما كانت تفعل البلاغة القديمة. فهناك من يعيد قراءة البلاغة ليجعل منها علما وصفيا بحتا، في مقابل اتجاه آخر يعيد قراءتها ليقيم منها علما توليديا يبحث في كيفية الإنتاج الخلاق للنصوص؛ مما يفضي بها عندئذ إلى أن تصب في علم النص. 
الفصل الثالث: الأبنية النصية 
تتحدد قواعد الوصول للأبنية الكبرى للنصوص ـ كما يشرحها فان ديجك مؤسس علم النص ـ بالقواعد التالية: 
1- الحذف 
2- الاختيار 
3- التعميم 
4- التركيب أو البناء. 
الباب الخامس: تحليل النص السردي
الفصل الأول: بلاغة السرد 
لا يوجد فن أدبي إلا إذا أظهرت الكلمات انحرافا ما عن الطريقة المباشرة غير الحساسة في التعبير عن الفكر وعندما تمثل هذه الانحرافات عالما من العلاقات، يختلف عن العالم العملي، عندئذ يستطيع الشاعر أن يمسك بشذرات من هذا العالم الفطري، فينميها ويحولها إلى أدب نستطيع من خلاله أن نحلل جماليات سرده.
الفصل الثاني: أساليب السرد وأنماطه
 تتعدد أنماط المقاربة الأسلوبية للكلمة الروائية ، أو للخطاب الروائي لتتخذ خمسة أشكال هي: 
1- تحليل أدوار المؤلف في الرواية 
2- وصف ألسني محايد للغة الرواية. 
3- تحليل لغة الرواية لإبراز فردية المؤلف 
4- الرواية جنس بلاغي يدرس. 
5- اختيار العناصر المميزة لاتجاهات الراوي الفنية.
ولهذا، فإن التحليل التقني لأنماط السرد يصبح مدخلا مهما لاستكشاف الأساليب وتوضيح الأنماط السردية. 
الفصل الثالث: سيميولوجيا النص السردي
أفضت البحوث في الأبنية السردية إلى تصورات جديدة عن هذه الأبنية وتقنياتها التحليلية، حيث برز الطابع الدلالي الإشاري لها ؛ ولم تعد تقف عند سطح النص وتجري على عينات منه بدلا من تناول النص بأكمله، وذلك على أساس أن بنية السرد مستقلة عن الوسائل اللغوية التي تقدمها. × إضاءات نقدية في كتاب " بلاغة الخطاب وعلم النص" ـ منهجية البحث ومنهج المؤلف: للناظر في كتاب (بلاغة النص) إمعان في أسلوب الكاتب منهجا ونهجا. أما عن منهج المؤلف؛ فقد اتبع المنهج الوصفي الذي يقف على النظرية ويصفها دون أن يحكم عليها ويحاكمها. وخالط هذا المنهج منهجا آخر هو المنهج التاريخي الذي أرى أنه أثقل الكتاب بحمل زائد من الأبواب التي كان يمكن الاستغناء عنها؛ فالكتاب بعنوان (بلاغة الخطاب وعلم النص) يتركز في البابين الأخيرين من الكتاب ـ وهما نحو علم النص، وتحليل النص السردي ـ ، وبعض الفصول من الباب الثاني والثالث. وما دون ذلك هو بمثابة تمهيد تاريخي يمكن الاستغناء عن كثير منه ليشذب الكتاب ويرتب؛ فكتاب (بلاغة الخطاب وعلم النص) الذي بين يدينا هو كالشجرة اليانعة المثمرة التي لم يشذبها صاحبها ، فأصبح منال تلك الثمرات صعبا؛ ذلك أننا لو نظرنا في البابين الأخيرين من الكتاب ـ أيضا ـ لوجدنا تتبعا تاريخيا يمكن الاستغناء عنه ؛ فنأخذ البلاغة في طورها الأخير دون النظر لمراحلها التي قد يبدأها الكاتب ـ أحيانا ـ من القرن السادس عشر. أما عن النهج الذي سار عليه في تقسيم الكتاب فقد بدا صلاح فضل متأثرا بالبلاغة الجديدة التي نظّر لعمليات تحولها؛ فتقسيمه بنيوي إذ انطلق من بنية (البلاغة الجديدة) وأخذ كل علم يمكن أن يتصل بها من قريب أو من بعيد. وهذا يقودنا إلى أمر كان ينبغي تأخيره ولكن السياق دعا لوجوده هنا، ألا وهو محاولته تطبيق الخطاب وعلم النص على جلّ الفنون الأدبية وغير الأدبية، وهذا أمر محال؛ فالبلاغة الجديدة التي تحدث عنها هي بلاغة مستوردة أخذ تعاليمها من الغربيين ولا سيما الشكلانيون الروس، وقد لا تلاؤم ـ كثيرا من الأحيان ـ عددا من الفنون الأدبية العربية. ـ نظرات في الكتاب : لا يمكن لمن يقرأ كتاب ( بلاغة الخطاب وعلم النص) إلا أن يجل فاعله صلاح فضل لهذا الزخم الهائل من المعلومات التي يقدمها لقارئه فيرعاه كأنه ولد له. ولا مندوحة هنا من تقديم الإجلال والشكر للباحث صلاح فضل الذي بدا جهده واضحا في ثنايا هذا الكتاب الذي ابتدأه بتقديم تحدث فيه عن بلاغة الخطاب وعلم النص باقتضاب ، وما تفعله البلاغة الجديدة من إيقاد أسئلة لدى الباحثين العرب يجيب عنها الكتاب.وبعد التقديم بدأ بمناقشة أبوابه الخمسة ، ومن ثم ختم كتابه بعدد من المصادر العربية والمصادر المترجمة والمصادر الأجنبية التي تراوحت بين الإنجليزية والإسبانية. ولكن تبقى في الخاطر بعض الملاحظات التي يجب أن تقال، ومن شأنها أن تثري الكتاب لا أن تقلل من شأنه. وحري بي أن أجمل هذه الملاحظات على هيئة نقاط لتكون أثبت في الذهن وأعلق، وهذه النقاط هي:
 1- الكتاب متسع جدا، والأطر النظرية فيه واسعة أيضا مما يسبب إرباك القارئ.
 2- الأطر التمهيدية متسعة البحث كان ينبغي التخفيف منها. 
 3- اعتمد الكاتب على البلاغة الجديدة في إنشاء أقواله معظمها وتناسى الحديث عن بلاغة عربية حديثة التي من شأنها أن تأخذ من البلاغة العربية القديمة وتطورها بما يتناسب والمفاهيم البلاغية الغربية الحديثة، لا أن نقف مع إيجاد نظرية بلاغية جديدة تحاول هدم مفاهيم كثيرة من البلاغة العربية القديمة. 
 4- عدم استخدام نصوص كاملة للتطبيق والتحليل، وإنما اختار الباحث مقطعات بسيطة سردها الكاتب دون تحليلها وربطها بالجانب النظري.
تحميل الكتاب

تــصــنـيـف الأصـــوات الـلــــغـوية




تقديم :
قبل الولوج في ثنايا موضوعنا الذي يعدمحاولة لتصنيف و تحديد أقسام و أصناف الأصوات اللغوية .لا بد من أن نساير ما هو تقليديأي شرح للعنوان و تفسيره و إشكالية تقوده ثم العرض و تحليله و تعليق يفيده ومن تمخلاصة تشمله. فعلم الأصوات يدرس الأصوات اللغوية من حيث مخارجها و صفاتها و كيفيةصدورها,و يعرف أيضا بالصوتيات أو علم الصوتيات و هو فرع من فروع علم اللغة يدرس الأصواتمن حيث خصائصها المادية و يهتم بالانجازات و التحقيقات الصوتية للكلام من حيثطريقة التلفظ بها و لا تهتم بوظائف الأصوات و بدورها في اختلاف المعاني و الدلالات...الخ
إذا فما هي أقسام أو تصنيفات علم الأصوات ؟و ما أسس تقسيم كل تصنيف من الصوائت و الصوامت ؟ و ما الذي يميز الأصوات الصائتةعن الأصوات الصامتة ؟

لقد اتفق العلماء على أن أصواتاللغة تنقسم لقسمين أو لتصنيفين اثنين مشهورين و معروفين بالمصطلحين الأول هوالأصوات الصائتة Vowels و الثانيهو الأصوات الصامتة Consonants . و هذا التصنيف ينبني على معايير معنية تتعلق بطبيعةالأصوات وخواصها، ويلاحظ فيه أوضاع الأوتار الصوتية وطريقة مرور الهواء من الحلقوالفم، أو الأنف.

I. الأصواتالصامتة :
" و تسمىبالحروف عند علماء اللغة العربية , فهي تختلف من لغة إلى أخرى في عددها و صفاتهاالمميزة لها و لكن درجة الاختلاف هنا أقل من درجة الاختلاف بين اللغات في حالةالحركات "(1) فالأصوات الصامتة تتسم بوجود اعتراض للهواء عند خروجالصوت من الممر الصوتي من قِبَل أعضاء النطق سواء كانت هذه الإعاقة إما بالغلقالتام فتكون عندئذ الإعاقة تامة(مثل نطق صوت الباء و الذي يتميز بغلق تام للشفتين عندنطقه فتحدث الإعاقة الكاملة) وإما بالتضييق فتكون عندئذٍ الإعاقة غير تامة(مثل صوتالسين الذي يتسم بالتضييق الذي يحدث بين عضوي نطقه) .
تختلف أسس تقسيم الأصوات الصامتة باختلاف وجهات النظر وباختلاف الغرض. لكن في هدا العرض سنسير على قاعدة عامة تضبط منهجية دراسيةلتقسيمات الأصوات الصامتة وهي ثلاث فئات أو تقسيمات رئيسة هي : ● وضع الأوتار الصوتية ● المخارج و الأحياز ●كيفية مرور الهواء عندالنطق .

· أولا : وضع الأوتار الصوتية :
تنقسم الأصوات الصامتة إلى فئات بحسب ذبذبة الأوتار أوعدم ذبذبتها أتناء عميلة النطق لكن المهم من هذه العملية ثلاث :
1) قد ينفرج الوتران الصوتيان بعضهما عن بعض خلال عمليةمرور الهواء من الرئتين بحيث يسمحان له بالخروج دون أن يعترض طرقه أي شيء و من تملا يتذبذبان الوتران الصوتيان. فما يحدث في هده الحالة يمكن أن نصطلح عليه بالهمس( نقول هدا صوت مهموس و دلك ما ينتج عن غياب اهتزاز الوترين ) و الأصوات المهموسةفي اللغة العربية هي 12 صوتا :ت ث ح خ س ش ص ط ف ق ك هـ = 12 .


يقول سيبويه في تعريف المهموس "و أما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه – و أنت تعرف ذلك إذااعتبرت فرددت الحرف مع جري النفس .... "(2) .
2) قد يقترن الوتران الصوتيان بعضهما من بعض أثناءمرور الهواء و أثناء النطق فيضيق الفراغ في هده الحالة بينهما بحيث يسمح بمرورالهواء و لكن مع إحداث اهتزازات و ذبذبات سريعة منتظمة لهذه الأوتار. ففي هدهالحالة يحدث ما يسمى بالجهر ( نقول هذا صوت مجهور و ذلك ما ينتج عن اهتزاز الوترينالصوتيين أثناء النطق ببعض الأصوات ) و الأصوات الصامتة المجهورة كما ننطقها اليومفي لغتنا العربية هي : " ب ج د ذ ر ز ض ظ ع غ ل م ن و الواو في نحوولد و حوض و الياء في نحو يترك بيت = 15 " (3)
و قد أضاف علماء العربية الطاءو القاف و الهمزة إلى الأصوات المجهورة و أخرجوها من الأصوات المهموسة .وهذا الذيقالوا لا يوافق نطقنا الحالي لهذين الصوتين.(3)
ملاحظة : ينبغي أن يدرك القارئ أن المصلحين < جهر و همس> لا يعنيان بحال ما يفهم من دلالاتهما المعجمية و هي أن الجهر هو رفع الصوت أوإعلان القول و أن الهمس في الكلام هو خفاؤه فلا يكاد يسمع. لا بل إنما المعنى فيدراسة الأصوات أو في الاصطلاح الصوتي الدقيق هو مجرد ذبذبة الأوتار في حال الجهرأو انفراجها بحيث يسمح بمرور الهواء دون اعتراض في حالة الهمس.
3) قد ينطبق الوتران انطباقا تامافلا يسمح بمرور الهواء إلى الحلق مدة هذا الانطباق ومن ثم ينقطع النفس ثم يحدث أنينفرج هذان الوتران فيخرج صوت انفجاري نتيجة لاندفاع الهواء الذي كان محبوسا حالالانطباق التام. هذا الصوت هو همزة القطع. فهمزة القطع العربية إذن صوت صامت لا هوبالمهموس و لا هو بالمجهور.
"و ظاهرتا الجهر و الهمس لهما وجود ملحوظ في لغات أخرى كالانجليزية مثلا : مثلاالصوت [ b ] مجهور و نظيره [ p ] مهموس و كدالك الحال فيالصوتين [f ] و [ v ] "(4)

· ثانيا : المخارج و الأحياز :
تنقسم الأصوات الصامتة كذالك إلى مجموعات بحسب مخارجالنطق و أحيازه. و نقول < المخارج و الأحياز > لأن المخرج يعني النقطةالدقيقة التي يصدر منها الصوت و الحيز يعني المنطقة التي ينسب إليها صوت أو أكثرفتنعت به.فالحيز أوسع من المخرج و هدا الأمر نبهنا إليه شيخ العربية الأول الخليلبن أحمد.
ففي تقديمنا لمخارج أو أحياز الأصوات العربية ينبغي أولاقبل كل شيء أن نقرر منذ البدء أن الإشارة إلى موضع النطق بصيغة الإفراد لا تعني أنموضع النطق عضو واحد مثلا نقول : الراء صوت لثوي فهذا ليس معناه أن اللثة وحدها هيموضع النطق فاللسان شريك اللثة في هذه الحالة إذ أن طرفه يلتقي باللثة حين النطقبهذا الصوت.
فيما يخص الفئات الرئيسية للأصوات العربية حسب مواضعالنطق المختلفة هي:



أصوات شفوية : و هي الباء و الميم ,بالإضافة الى الواو فكثيرا مايشار له على أنه صوت شفوي ( في نحو وعد ) و هذا ما سار عليه علماء العربية قديما.
أسنانية شفوية : وهي الفاء .
أسنانية : و هي الثاء و الذال و الظاء و هي أصوات ما بين الأسنان.
أسنانية لثوية : و هي التاء و الدال و الضاد و الطاء و اللام و النون.
لثوية : و هي الراء و الزاي و السين و الصاد.
لثوية حنكية : و هي الجيم الفصيحة و الشين.
وسط الحنك : وهي الياء .
من المهم أن نعلم أن بين الياء و الجيم و الشين قرباشديدا في المخرج حتى أن القدماء سموها بالأصوات الشجرية < نسبة إلى شجر الفم> .
أقص الحنك : و هي الخاء و الغين و الكاف و الواو.

لهوية : وهي القاف كما ننطقها اليوم في اللغة الفصيحة لا في اللهجاتالعامية.

حلقية : و هي العين و الحاء .
حنجرية : وهي الهمزة و الهاء .
هذه هي المخارج الأساسية للأصوات العربية الصامتة وهيأحد عشر مخرجا. أما علماء العربية قديما فاعتبروها ستة عشر مخرجا كما أتى على دلكأيضا ابن جني(5).

· ثالثا : من حيث كيفية مرور الهواء
هذا هو التقسيم الأخير للأصوات الصامتة و المعايير التيينبني عليها هذا القسم تتمثل في كيفية مرور الهواء من جهاز النطق عند إصدار صوتمعين. يرى الدارسون بأن تصنيف الأصوات من هذه الناحية إلى مجموعتين رئيسيتين سمواإحداهما بالوقفات Stops و الثانية بالممتدة Open .

×المجموعة الأولى :
تنتظم هذه المجموعة كل الأصوات التي يحدث في أثناء النطقبها وقوف الهواء وقوفا تاما في نقطة من نقاط النطق في الجهاز النطقي بدءا منالحنجرة حتى الشفاه.
فان صاحب هذه الوقفات انفجار مفاجئ سميت < وقفاتانفجارية > بمعنى خروج الهواء منفجرا فجأة و بسرعة مثال ذلك نجد فيها الحنجرةللهمزة , و اللهاة للقاف و أقص الحنك للكاف و الأسنان و اللثة للتاء و الطاء والدال و الضاد , و الشفتان للباء.
وان تسرب الهواء ببطء محدثا احتكاك سميت < وقفاتاحتكاكية > أو < الأصوات المركبة > و هو الأشهر مثال ذلك اللام و النون والراء ذات الصفة التكرارية .

× المجموعة الثانية :
تضم هذه المجموعة كل الصوامت التي يحدث في أثناء النطقبها أن يمر الهواء و يتسرب كليا أو جزئيا من منفذ من منافذ النطق و إن بصور مختلفةو من هنا كانت تسميتها في عمومها بالأصوات الممتدة .
فان مر الهواء في حال النطق من الفم من خلال منفذ ضيقنسبيا محدثا حفيفا أو احتكاكا مسموعا سميت الأصوات الصادرة حينئذ بالأصواتالاحتكاكية و مثالها في العربية الفاء و الثاء و الذال... الخ.وهذه الفئةالاحتكاكية تمثل الجانب الأكبر و الرئيسي من الأصوات
الممتدة.

II. الأصوات الصائتة :
يعرف ابن جني الحركة بـ " أنها تحركالحرف أي تقلقله "(6) أي أنها خاصية نطقية مرافقة للحركات طويلهاو قصيرها.
يقول د. كمال بشر "تمتاز الأصوات الصائتةعن غيرها بالخواص الآتية :
§أولا - مرور الهواء من الفم حرا طليقا في أثناء النطق بها دون عائق أو مانعيقطعه أو ينحو به منافذ أخرى كجانبي الفم أو الأنف أو دون تضييق لمجراه فيحدثاحتكاكا مسموعا...
§ثانيا – الحركات غالبا ما تكون جهورة في كل اللغات و ربما يقع بعضها مهموسافي بعض السياقات في بعض اللغات على ما يرى قوم من الدارسين و إن كنا لم نلحظ هذاالهمس للحركات في اللغة العربية.
§ ثالثا – الحركات أقوى الأصوات و وضوحا في السمع most sonorious نتيجة للخاصيتين السابقتين و الأولى من هما بوجه خاص."(7)
إذافهل للصوائت من معاير تضبطها و تقيها من التلف و التحريف و حفظا على دقتها ؟ هذا ولأسباب و دوافع أخرى دفعت برواد الدراسات الصوتية إلى البحث عن معايير عامة يسترشدبها الدارس في دراسة الحركات و تعلمها. وقد وصلوا بالفعل إلى طريقة فعالة و ثابتةو مقاييس معينة تجعل احتمال الخطأ ضيقا إلى أقصى حد ممكن فوضعوا هذه المعاير فيصورة ما سموه بـ"الحركات المعيارية."

· الحركات المعيارية: من أوائل من عنوابالحركات المعيارية الأستاذ دانيال جونز فقد بدأ عمله بأن نظر إلى عضوين مهمين كلالأهمية في تكوين الحركات هما : الشفاه و اللسان إذ هما العضوان الرئيسيان في تعديلشكل و مجرى الهواء الصاعد من الرئتين خلال الفم.
فقد نظر للسان باعتبارين اثنينهما :
1 – وضعه بالنسبة للحنك الأعلىمن حيث الارتفاع و الانخفاض.
2 – الجزء المعين من اللسانالذي يحدث فيه الارتفاع و الانخفاض.
و نظر للشفتين من حيث :● ضمهما ● انفراجهما ●و من حيث وضعهما في وضع محايد.
توصل جونز بهاتين النظريتين إلىوضع ثماني حركات معيارية ترسم بطريقة الكتابة الصوتية الدولية و هي كالأتي :
(1)=i (2)=e(3)=ε (4)=a (5)=α (6)=É (7)=o(8)=u .
أهم حركة هي [ ] و بذلك تكون الحركاتالمعيارية لتي ارتضاها جونز هي تسع حركات.
المعيارية رقم 1 = i : هي الصوت الذي يرتفع مقدم اللسان في حالة النطق بهاتجاه الحنك الأعلى إلى أقصى حد ممكن مع بقاء هذا الصوت حركة.
المعيارية رقم 5 = α : هي الصوت الذي ينخفض مؤخر اللسان في حال النطق به إلىأقصى حد ممكن مع رجوع هذا الجزء من اللسان إلى الخلف قدر الطاقة و مع بقاء الصوتحركة أي بحيث إذا تأخر اللسان أبعد من ذلك كانت النتيجة هي ظهور صوت أخر.

المعيارية رقم (2) و (3) و (4)وهي (a ε e) : فهي تكون مع الحركة رقم (1) مجموعة الحركات التيتسمى الحركات الأمامية ( نسبة إلى الجزء الأمامي من اللسان ) و يجب أن نلاحظ بأنهحين الانتقال من الحركة رقم (1) إلى (2) ثم من (2) إلى (3) و منها إلى (4) أن هذاالجزء الأمامي من اللسان ينخفض تدريجيا بنسب متقاربة حتى يهبط إلى قاع الفم بحيثيكون مستويات أيكاد, حال النطق بالحركة رقم (4).
الحركات رقم (6 و 7 و 8 )وهي [u o É] : تكون مع الحركة رقم (5)مجموعة أخرى من الحركات تسمى الحركات الخلفية نسبة إلى الجزء الخلفي من اللسان...
الحركة المعيارية (9) [ ]: فلا يرتفع اللسان معها منالخلف أو الأمام ارتفاع ملحوظا كما لا ينخفض معها انخفاضا كبيرا في قاع الفم,أي أنهذه الحركة لا تنسب إلى الجزء الأمامي و لا الخلفي من اللسان و إنما إلى وسطه لأنهالجزء المرتفع نسبيا حال النطق بها. و إليك رسما هندسيا يبين مواقع هذه الحركات وتدرجها من حيث الارتفاع و الانخفاض كما هو مبين في الشكل أدناه ...


يبين الشكل الأوضاع النسبية لأعلى جزء من اللسان حالالنطق بالحركات المعنية و قد أشير إلى هذه الأجزاء بالنقاط الكبيرة كما نرى فيالشكل أما المنطقة الوسطى كلها فهي منطقة الحركات المركزية....

خلاصة

من الواضح أن ما تجاهل البعض دراسته " أي التصنيفات الصوتية " يحمل في طياته جميل الشروح و أصعبها و كثير المفاهيم و أعمقها ومتعدد الأقسام و فروعها فرافقنا الحروف و الحركات بأفكار من الكلمات فكان أن خلصنابفكرة أن للصوامت و الصوائت أنماط و دراسات ... فما سبق من تحليل لهذه التصنيفاتالصوتية و الاقتباسات التي حاولت أن أستنبط كنهها و شرحها في بضع كلمات من أجلتوضيح و فهم موجز لتصنيفات الأصوات رغم صعوبة مجموعة من الصعوبات....

الهوامش
(1) د. كمال بشر – علمالأصوات – ص 173الفصل الخامس
(2) سيبويه الكتاب جـ 2 ص 405 – 406 طبعة بولاق سنة1316هـ - علم الأصوات نفس المصدر السابق ص 177 .
(3) د. كمال بشر– علم الأصوات – ص 155 الفصل السادس .
(4) نفس المصدر ص 156 .
(5) ابن جني في كتابه " سرصناعة الإعراب جـ 1 ص 52 – 53 "
(6) د. كمال بشر – علمالأصوات – ص 220 الفصل السابع.
(7) نفس المصدر ( بتصرف ) .
* الشكل من كتاب – علم الأصوات - د. كمال بشر

الــمــراجـع و الــمــصادر

v د. كمال بشر – علم الأصوات – طبعة 2000 - دار غريب للطباعة و النشر والتوزيع القاهرة .
v د. محمودالسعران – علم اللغة مقدمة للقارئ العربي – دار النهضة العربية بيروت.
v برنيل مالمبرج – علم الأصوات -
v مقرر تعليمي قديم للدراسات العربية – بدون عنوان و لاطبعة .

مراجع للاستئناس :

v د. ديزيره سقال – الصرف و علم الأصوات – الطبعة الأولى1996 - دار الصداقة العربية بيروت
v سليمان فياض –استخدامات الحروف العربية ( معجميا ,صوتيا ,صرفيا ,نحويا ,كتابيا ) – دار المريخالمملكة العربية السعودية.
v مواقع الكترونية : Wikipedia , Google
v منتديات الكترونية : - منتدى المعرفة ,- منتدى شبكة الفصيح لعلوم اللغةالعربية ,- منتدى الدكتور إيهاب عاطف عزت ( كلية التربية النوعية جامعة الزقازيق ),- منتدى القراءات القرآنية الأول.








علاقة الرواية بالسينما





تقديم :
قضية تحديد العلاقة بين الرواية و السينما ليس بالأمر الهين لكن حاولت من خلال عرضي المتواضع هدا أن أفكك لأجزاء الفيلم و أدقق في بنيته و دلك على مستوى تحليلي بينه و بين الرواية .
لكل فن كتابته الشخصية و خصائصه البنيوية التي تجعله مستقلا بذاته أمام الفنون الأخرى و تميزه عن غيره من الأجناس ... و هدا ينطبق أيضا على الرواية ككتابة على الورق تجسد فيها أحداته و شخصياتها و حواره و ما أرادته من أفكار ... و هي أس الإبداعي السينمائي باعتباره كتابة على الصورة بحيث تنقل الرواية من وقعها المكتوب المرتبط بالطبقة المثقفة إلى طبيعة تصورية تلتقي و أعين المشاهد المثقف بشكل و العادي بشكل أخر ...
إدا من هنا نتساءل :
ـين تكمن العلاقة بين الرواية و السينما ؟ و أين تتجلى هده العلاقة ؟ و كيف يمنكن تحديدها ؟ وما الخروقات السينمائية التي أحدثت في حق الرواية ؟ و ألم تخرق السينما البعد النفسي للرواية و ما الغاية من هده الخروقات ؟

I. البنية المكانية :
للفضاء أهمية كبيرة في أعمال سواء كانت روائية أو سينمائية حيث أن الفضاء هو داك الإطار الإبداعي التصويري للحياة الشخصية للفرد و مواجهته للعالم الخارجي ... فهو ليس فقط مكونا ايطاريا جماليا أو تزينينا يؤثث به عالم الرواية أو المشهد السينمائي بل هو جوهر أساسي ينطلق بما لا تنطق به الشخصيات و ما لا يعبر عنه الحوار ... بل هو أساس الحركة التفاعلية من ناحية الشعور و المعانات مثلا الشعور بالوحدة أو العزلة ... و العلاقة بين المشاهد الروائية و السينمائية هي ما سنلاحظه من خلال ما يلي :

1. فضاء السجن :
و هو المشهد الأول الذي تبتدئ به الرواية أحداثها و يفتح به نجيب محفوظ روايته حين يغادره سعيد مهران بعد أن قضى فيه 4 سنوات " ... هاهي الدنيا تعود و ها هو باب السجن الأصم يتعد منطويا على الأسرار اليائسة "(1) مشهد يعبر عن الوحدة و العزلة المطلقة عن العالم عبر حصار يفقده حريته ...
أما في السينما فقد تجاوز هدا الحدث المفرد إلى ما قبل حدث الخروج من السجن بزمن طويل ربما بدافع أن يضع القارئ أمام حقيقة الأمر و أسباب هدا السجن حتى لا يستغرب بظن أو يتوه بأخر أو حتى لا يخرج عن واقع المشاهد بخياله إلى تأويل لما قبل الحدث فكان هنا أن تمددت المدة بمشاهد تعبيرية حتى رأيت أنه قد أعفى المشاهد من تعب السؤال أو تخمين. فكان أن أبان مشهد السرقة فلم يكتفي بالقبض عليه بل تابعه إلى ما هو معتاد من مشاهد أخرى ( محاكمة و سجن )(2) .
ربما المخرج كان سعيه أن يستغل هده المرحلة بفرصة للبطل في استرجاع الماضي وما جاوره من أحداث حتى يتمكن في ما بعد من السير في مسار واحد دون إعاقة المشاهد و إرجاعه إلى الوراء ...

2. فضاء الشقة التي تقطن فيها نور :
ففي الرواية قد صاغ نجيب محفوظ الفضاء بشكل جعله رسما تعبيريا عن العزلة و المعانات و الخوف الذي عانه البطل. خوفه من إشعال حتى شمعة خوفا من إثارة انتباه الجيران له " يا له من ظلام ... انقلب خفاشا فهو أصلح لك"(3).
فكانت السينما أن شخصت برسم أخر للفضاء فجسدت فيه العزلة و المعانات ... لكن كان أن خرقت مبدأ الخوف في ذات البطل بحيث ظل المشهد منار المكان ... ربما أراد بدالك أن يجعل سعيد مهران يحس بالأمان في بيت نور كما تجسدت العلاقة في لحظة تولد مشاعر صادقة من المحبة التي تطرد الوحدة وتميت تلك المعانات .

3. فضاء حي الدراسة (4) :
تميز هدا الفضاء في الرواية بالسكينة و الاطمئنان و العزلة عن العالم الصاخب كما أنه مأوى من لا مأوى له لا ينغلق أبدا في وجه الخلق و كان سعيد مهران يلجأ إليه في لحظات الشدة رغم أنه لا يشعره بالراحة و دلك لأن مذهبه غير مذهب الشيخ.
أما على مستوى الشريط السينمائي فالمخرج لم يمنح لهدا الفضاء وقتا كافيا قد يزرع الحنين و الشوق في نفس المشاهد حتى يثير الفضول في نفسه و يقوي نفسه و يحرك مشاعره اتجاه جو كجو داك الفضاء الممثل للسكينة و الراحة و التعبد ...

4. فضاءات أخرى :
فضاءات لها أهميتها في دينامية الحدث الروائي كمقهى طرزان فضاء يوفر لسعيد معلومات بصدد أعدائه و منه حصل على وسيلته في الانتقام ( المسدس ) و فضاء فيلا رؤوف علوان ... و هدا ما جسدته السينما رغم بعض الإضافات لكن لا ربما كانت من دافع ضرورة سينمائية .
من الملاحظ أنه رغم مجموعة الخروقات هده الا أن السينما تبقى مرتبطة بالرواية و حاملة لمعناها و محافظة على ما ابتغته من إشارات ... رغم كل الإضافات .

II. البنية الزمنية :
لم تلقى أي تغير لأنها أساس إشكالي يحمل على مساره بنية الإنسان الذي يعيش إيقاع حياته المتشكل على مبيان به حركة تدبدبات تمثل الأحداث و المعانات ... " مشكلتا إطارا تعبيريا إشكاليا يطرح في عمقه ما شاء من التساؤلات و يقذف بالإجابات في فضاء ملتبس "(5) ... فكل بنية زمنية تؤطر حركة قد تكون مكشوفة أو غير مكشوفة مكونة بدالك إجابات تكميلية أو تقدم مفهوما أوليا أو وصفا باطنيا .

III. البعد الفسي :
جانب تكتنز به الرواية بشكل عام و دلك مما تحتويه من مشاعر و أحاسيس و عواطف متوترة تكشف عن أزمة الإنسان الذي تتحدث عنه و قدره في عالم غريب لا يأنس له. وهدا ما نسعى من خلاله لإدراك هل السينما قد حافظت على البعد النفسي للرواية أم صاغته هو الأخر على إيقاع تصويري ما وهدا ما سنتطرق له عبر عدة علاقات منها :

1) علاقة كراهية :
و هي تجمع بين سعيد مهران و نبوية و عليش و رؤوف علوان و هي علاقة جسدتها الرواية و شخصتها السينما محافظة على رابطة الكره في ما بينهم و سعي سعيد مهران للانتقام منهم حتى يسترد معنى الحياة الذي افتقده .

2) علاقة حب و علاقة تواصلية روحية :
و هي ما جمعت بين البطل سعيد مهران و ابنته من جهة و المرأة نور التي آوته و احتضنته في لحظات الشدة من جهة أخرى و العلاقة التواصلية و الروحية بينه و بين الشيخ الجنيدي.
لقد احتفظت السينما دون تغير أو تدخل في جوانب هده العلاقات كونها أساس الرواية و منها تتحدد المواقف التشخيصية للسينما ... فنجيب محفوظ سعى من خلال التركيز على نفسية الفرد البارز و هو البطل حتى يلفت الانتباه إلى تداعياتها على نفسية الفرد الأخر خاصة الفقراء و الضعفاء ... فجسددالك في الإحساس بالخيبة و نزوع البطل و التمرد على مجتمع يسير عكس عقارب الساعة . و هدا ما جعلنا نقرأ فشل سعيد مهران في الانتقام من أعدائه و لكن نجح في جعل أزمته في الواجهة ليصبح بطلا تعاطف معه معظم الناس مثال : " اجتماع الصحفيين و رئيس الجريدة قوله أن علوان قد أبان عن نشاط غير عادي في هده القضية لكن حكمه ( أي رؤوف علوان ) اقتصر على الإعدام في حق سعيد مهران ... ليقول رؤوف علوان : إنه مجرم
في نظري و في نظري كل الناس .ليتدخل رئيس الجريدة قائلا : لا بالعكس انه بطل في نظرهم ... "(6) فكانت السينما كما رأينا في هدا المقطع الحواري بين رئيس الجريدة و رؤوف علوان أنها حرصت على شخصية البطل و ما خالج العامة من الناس اتجاهه فكان أو مكنته من مصطلح الشهرة و البطولة على لسان رئيس الجريدة .

IV. الأحداث الروائية و السينمائية :
فمن يقرأ الرواية و يشاهد الفيلم يدرك من دون شك أن السينما قد شكلت صورتها على ما ابتغته و ما أدركته من ضرورة لشد انتباه المشاهد و تسهيل منحى التفاهم و التفاعل المتدرج على مستواه الإدراكي ... فالملاحظ في الفيلم السينمائي ( اللص و الكلاب ) هو تعدد المشاهد بكثرة مقارنة مع الرواية و دلك لا ربما سعيا منه إلى تبسيط و صياغة جديدة لمحور القصة الروائية مع الاحتفاظ بمفهوماتها و شخصياتها.. لكن أحدثت تغيرات بمشاهدها و هدا لا ربما أيضا بغية تمديد مدة الشريط السينمائي ...

1 ) خروقات السينما في المشاهد الروائية :
هدا ظاهر من أول الفيلم فبدايته انطلقت عكس ما عملت عليه الرواية حيث انطلقت السينما إلى ما وراء الحدث ( خروج سعيد من السجن )(7) ففي هدا المشهد استعجل المخرج في تصوير و إظهار وجه الخيانة(8) و التدبير الشراني الذي محوره الأساس أن يوقع بسعيد مهران في فخهم و يقبض عليه متلبسا ... مما عجل في تقديم فكرة الخيانة و تثبيتها في دهن المشاهد مما لا يترك فرصة الجدال الفكري له لكن كان قالبه التصوير عكس ما قد ينتظره أي مشاهد معتاد على السلسلة التقليدية .
بالإضافة إلى خرق في مشاهد أخرى كمشهد الهروب و فراره من الشرطة و مشهد السجن الذي لم يكن له في الأصل وجود مما يبين أنه قد أبتدع من فكرة الرواية و زد على دالك مجموعة من الخروقات عجزت حقيقة على عدها و تجميعها في عرض مركز.

2 ) الغاية من الخروقات :
و في الحقيقة لا يكن لنا الجزم في حقيقة الغاية من كل هده الخروقات السينمائية في حق الرواية لكن لنا إمكانية أن نتأمل في الغاية منها ... ومن خلال مجموعة من المشاهدات لأفلام كثيرة و خاصة فيلم اللص و الكلاب و مقارنته مع الرواية وجدت على أنه ربما يكون المبتغى من هدا كله هو تحقيق كل تلك الصفحات السردية للرواية في مشاهد تجسيدية لا تخرق السلسلة الروائية و لكن تعمل عمل تبسيط و تحقيق صورة ترسم من أصل تلك الكلمات الروائية سواء السردية أو الوصفية أو الحوارية ... و في غالب الأحيان أجد أن تلك الإضافات يكون منها مبتغي تمديد مدية العرض لأن الالتزام بالقوانين الروائية سيكون من شأنها إيجاز مدة العرض و تعقيد بعض الأفكار أمام المشاهد البسيط ...

3 ) النهاية الروائية و النهاية السينمائية :
كل نهاية تعد باعتبارها تعبير عن موقف لكاتب الرواية فينحو عليها فكرة و غير مبسطة أو مكتوبة بشكل مباشر و إنما تكون موقفا نابعا من مجموعة مواقف و أراء و تحاليل تشخيصية للظاهرة حتى نخلص يخلص الكاتب بدالك إلى النهاية . و نهاية رواية اللص و الكلاب لنجيب محفوظ أقامت حفلا يمنح البطل أمل الحياة و دالك من خلال القبض عليه فقط ... فهناك من سيقول أن الموت أفضل من السجن نعم و لن فنجيب محفوظ في منحه الحياة للبطل سعيد مهران لا ربما قد أتاح له فرصة الفرار مرة أخرى من السجن حتى يحقق ما لم يحققه ... إلى أخره من التخمينات لكن الأصح هو أنه قد جعل لروايته مستقبل في دهن القارئ ...
لكن الكتابة السينمائية قد سارت عكس ما وضعه الروائي و دلك من خلا أن وضعت السينما حدا لحياة سعيد مهران و قطع الجسر الدي أنشأه نجيب محفوظ " قتل سعيد مهران في مداهمة للشرطة بعين المكان "(9) لمادا سار المخرج في هدا النحو ؟ لا ربما رأى فيه مجرما حقيقيا رغم كل الإكراهات و مدنبا رغم كل المعانات و لا ربما أن المخرج كمال الشيخ رأى حل القضية في موته و أن الحياة ستكون عدابا له. و لا ربما و هو الرأي الراجح بالنسبة لي أن المخرج قد أراد أن يبين أن وجه الخيانة و الفساد و الانحطاط هو السائد و أن من تجرأ على عصيانه ومعاندته و الوقوف في أمام مصالحه سيكون له ما كان لسعيد مهران .

الخلاصة
للكتابة الروائية خصائصها و للكتابة السينمائية ضرورتها مما سمح لها أن تعدل في المقاطع و تشكله على ما ابتغاه المخرج لمشاهديه لكن تظل مرتبطة بشخصيات الرواية و أحداثها رغم أنها في بعض الأحيان تغير من النهاية التي قد صادق عليها المخرج .



الهوامش

________________________________________
(1) نجيب محفوظ – اللص و الكلاب ( ص 5 ) – دار الشرق .
(2) فيلم اللص و الكلاب – إخراج كمال الشيخ.
(3) نجيب محفوظ – اللص و الكلاب ( ص 73 ) الفصل السادس.
(4) حيث يقيم الشيخ علي الجنيدي المتصوف و صديق والده
(5) فيصل دراج : نظرية الرواية و الرواية العربية . المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء 1999 ص 18 – عن مطبوع مجهول المصدر بتصرف .
(6) فيلم اللص و الكلاب ( مشهد الإجماع ) إخراج كمال الشيخ .
(7) عد إلى ما سابق في البينة ( فضاء السجن )
(8) فيلم اللص و الكلاب - المشهد الثاني قبل البداية في لحظة تطمئن على تخطيط عليش تقول نبوية له : خلي بالك من نفسك .
(9) فيلم اللص و الكلاب – المشهد الأخير من الفيلم .

الــــمـــــراجـــــع و الــــــــــــــمــــــصادر



 رواية اللص و الكلاب – نجيب محفوظ – دار المشرق .
 فيلم اللص و الكلاب – إخراج كمال الشيخ .
 مطبوع مجهول العنوان و المؤلف ( أخدت منه قول فيصل دراج : نظرية الرواية و الرواية العربية . المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء 1999 ص 18 .